منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

أسْبَابُ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أسْبَابُ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأحد أغسطس 30, 2015 9:30 pm










أسْبَابُ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى


قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله تعالى – في قول الله عز وجل: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } :
فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسّر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ربّك أحدا،

وذكر للتّيسير لليسرى ثلاثة أسباب:

- أحدها : إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتّعميم أي أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطّاعة والإخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة، فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللاّزم والمتعدّي، فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها وسقي دوابهم وأنعامهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسّرة لذلك

وهكذا الرّجل المبارك ميسّر للنّفع حيث حلّ فجزاء هذا أن ييسّره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسّرة للعطاء.

- السبب الثاني: التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه ،وهذا من أعظم أسباب التّيسير وضدّه من أسباب التّعسير فالمُتَّقِي ميسّرة عليه أمور دنياه وآخرته ، وتارك التّقوى وإن يسّرت عليه بعض أمور دنياه تعسّر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التّقوى.

وأمّا تيسير ما تيسّر عليه من أمور الدّنيا فلو اتّقى الله لكان تيسيرها عليه أتمّ ولو قدّر أنّها لم تتيسّر له فقد يسّر الله له من الدنيا ما هو أنفع له ممّا ناله بغير التُّقَى.

فإنّ طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجلّ من نعيم أرباب الدّنيا بالشّهوات واللّذّات وقال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} فأخبر أنّه ييسّر على المُتَّقِي مالا ييسّر على غيره وقال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} وهذا أيضا ييسّر عليه بتقواه

وقال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} وهذا يتيسّر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبّه ويرضاه ، وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} وهذا يتيسر بالفرقان المتضمّن النّجاة والنّصر والعلم والنّور الفارق بين الحق والباطل وتكفير السّيّئات ومغفرة الذّنوب وذلك غاية التّيسير .

وقال تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والفلاح غاية اليُسْرِكما أنّ الشقاء غاية العُسْرِ ، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} فضمن لهم سبحانه بالتّقوى ثلاثة أمور:
-أحدها : أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين

-الثاني : أعطاهم نورا يمشون به في الظلمات

-الثالث : مغفرة ذنوبهم

وهذا غاية التّيسير فقد جعل سبحانه التّقوى سَبَبًا لكلّ يُسْرٍ وترك التّقوى سببا لكلّ عسر.

السبب الثالث : التّصديق بالحُسْنَى ،وفُسِّرَت بـ: لا إله إلا الله و فُسِّرَت بـ:الجنّة و فُسِّرَت بـالخلف، وهي أقوال السّلف

واليُسْرَى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى وهي فعلى من اليسرى. والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء فَمَن فسّرها بـلا إله إلا الله فقد فسّرها بمفرد يأتي بكل جمع، فإنّ التصديق الحقيقي بـ: لا إله إلا الله يستلزم التصديق بِشُعَبِهَا وفُرُوعها كلّها ، وجميع أصول الدّين وفروعه من شُعَب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدّقا بها حقيقة التّصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ولا يكون مؤمنا بـالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأنّ الله لا إله إلا هو حتّى يسلب خصائص الإلهية عن كلّ موجود سواه، ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ،ولا يكون مصدّقا بها مَنْ نَفَى الصفات العليا ولا مَنْ نَفَىكلامه وتكليمه ولا مَنْ نَفَى استوائه على عرشه. وأنّه يرفع إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنّه رفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه، وأنّه يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ثم يعرج إليه. إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله

ولا يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدّقا بها على الحقيقة مَنْ نَفَى عموم خلقه لكلّ شيء ،وقدرته على كل شيء ،وعلمه بكل شيء ،وبعثه الأجساد من القبور ليوم النّشور

ولا يكون مصدّقا بها مَن زعم أنّه يترك خلقه سُدًى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله ، وكذلك التّصديق بها يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتّصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله

فالمصدّق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كلّه وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلاّ بها وبالقيام بحقّها وكذلك لا تحصل النّجاة من العذاب على الإطلاق إلاّ بها وبحقّها ،فالعقوبة في الدّنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها.

ومَنْ فسّر الحُسْنَى بـالجنّة فسّرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ، ومَنْ فسّرها بـالخلف ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنّة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالايمان وجزائه والتحقيق أنها تتناول الأمرين،

وتأمّل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث وهي الإعطاء والتّقوى والتّصديق بِالحُسْنَى من العلم والعمل وتضمّنته من الهدى ودين الحق فإنّ النفس لها ثلاث قوى قوّة البذل والإعطاء و قُوّة الكفّ والإمتناع و قوّة الإدراك والفهم ، ففيها قوّة العلم والشعور ويتبعها قوّة الحب والإرادة وقوّة البغض والنفرة .

فهذه القوى الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والإرادة يوجب له ترك الإعطاء وفساد قوة البغض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوّة حبّه وإرادته بإعطائه ما أمر به وقوّة بغضه ونفرته باتّقائه ما نهى عنه وقوّة علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكّى نفسه وأعدّها لكلّ حالة يُسْرَى فصارت النّفس بذلك ميسّرة لِلْيُسْرَى .

ولمّا كان الدّين يدور على ثلاث قواعد فعل لمأمور وترك لمحظور وتصديق الخبر وإن شئت قلت الدّين طلب وخبر، والطلب نوعان طلب فعل وطلب ترك، فقد تضمّنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدّين أجمعها.

فـالإعطاء فعل المأمور والتّقوى ترك المحظور و التّصديق بِالحُسْنَى تصديق الخبر، فانتظم ذلك الدّين كلّه .

وأكمل الناس مَن ْكملت له هذه التّقوى الثلاث ودخول النّقص بحسب نقصانها أو بعضها. فمن الناس مَن يكون قوّة إعطائه وبذله أتمّ من قوّة انكفافه وتركه ، فقوة الترك فيه أضعف من قوة الاعطاء ومن الناس مَن يكون قوّة الترك والإنكفاف فيه أتمّ من قوّة الإعطاء والمنع ومن الناس مَن يكون فيه قوّة التّصديق أتمّ من قوّة الإعطاء والمنع ، فقوّته العلمية والشّعورية أتمّ من قوّته الإرادية وبالعكس، فيدخل النّقص بحسب ما نقص من قوّة هذه القِوَى الثلاث ، ويفوته من الّيسير لليسرى بحسب ما فاته منها.

ومَن ْكملت له هذه القِوَى يُسِّرَ لكلّ يُسْرَى قال ابن عباس {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} :أي نهيّئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير

وقال مقاتل والكلبي والفراء: نيسّره للعود إلى العمل الصالح.

وحقيقة اليُسْرَى: أنها الخلة والحالة السّهلة النافعة الواقعة له وهي ضد العُسْرَى وذلك يتضمّن تيسيره للخير وأسبابه ،فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسّرة عليه مذلّلة له مُنْقَادة، لا تستعصي عليه ،ولا تستصعب ،لأنّه مهيّأ لها ميسّر لفعلها، يسلك سُبُلَها ذُلُلاً وتقاد له علما وعملا، فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه: مبارك الطّلعة ميمونها يصلح للدّنيا وللدّين

اهــ .

المصدر:

التّبيان في أقسام القرآن
132 ـ 141.
نقله الأخ أبو معاوية مجدي الصبحي جزاه الله خيراً




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 516
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أسْبَابُ التَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى

مُساهمة من طرف أم عبد الرحيم في الأربعاء سبتمبر 09, 2015 7:02 pm

بارك الله فيك ونفع بك

أم عبد الرحيم

عدد المساهمات : 40
تاريخ التسجيل : 29/08/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى