منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

في مداراة الرجل زوجتَه باليمين الكاذبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في مداراة الرجل زوجتَه باليمين الكاذبة

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الخميس يناير 28, 2016 3:13 pm









الفتوى رقم: ١٠٤٤

الصنف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - آداب الزواج

في مداراة الرجل زوجتَه باليمين الكاذبة


السؤال:

هل يجوز للزوج أن يحلف بالله كذبًا على زوجته من أجل الإصلاح إذا ما اضطر إلى ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنَّ الأصل في الكذب أنه حرام في ذاته، إذا كان لجلب نفعٍ مجرَّدٍ، وهو من الكبائر لكونه متوعدًا بلعنة، قال تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥]، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»(١).

فإن انضمَّ إليه حلف بالله صارت اليمين غموسًا، وسُمِّيت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثمَّ في النار، وقد جاء في الحديث: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: المُسْبِلُ وَالمَنَّانُ وَالمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحلفِ الكَاذِبِ»(٢).

أمَّا إذا كان الكذب لغرض إصلاح ذات البين أو لدفع ظُلمٍ أو ضررٍ أعظمَ من الكذب مفسدةً فقد ثبت من حديث أُمِّ كلثومٍ بنتِ عقبة بن أبي مُعَيْطٍ رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا»(٣)، وفي رواية مسلم زيادة، قالت: «وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الحربُ، والإصلاحُ بين الناس، وحديثُ الرجل امرأتَه وحديثُ المرأة زوجها»(٤).

قال ابن حزم -رحمه الله- : «واتَّفقوا على تحريم الكذب في غيرِ الحرب وغيرِ مداراة الرجل امرأته وإصلاحٍ بين اثنين ودفعِ مظلمة»(٥).

غير أنَّ العلماء يختلفون في الكذب الوارد في الحديث: أهو الكذب الصريح أم مجرد التورية(٦)، باعتبارها كذبًا للإخبار بها بخلاف ما قصد إفهامه للمخاطب ولو قصد بها المتكلِّم معنىً صحيحًا في ذاته على نحو ما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَعْتَذِرُ عَنِ الشَّفَاعَةِ بِأَنَّهُ كَذَبَ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ »(٧) علما بأن إبراهيم عليه السلام ورَّى ولم يكذب الكذب الصريح، وسَمَّى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم التوريةَ كذبًا؛ لأنَّ كلامه كان على خلاف ظاهره بالنسبة إلى الإفهام.

وفي تقديري أنَّ أقربَ القولين صحةً هو أنَّ المرادَ بالكذب في الحديث التوريةُ لا الكذبُ الصريح، قال ابن القيم -رحمه الله- في مَعْرِض ردِّه على من يقول: «يَحْسُنُ الكذبُ إذا تضمَّن عصمةَ نَبِيٍّ أو مسلمٍ» ما نصه: «لا نسلّم أنه يَحْسُنُ الكذبُ فضلاً عن أنه يجب، بل لا يكون الكذبُ إلاَّ قُبحًا، وأمَّا الذي يحسن فالتعريضُ والتوريةُ، كما وردت به السُّنة النبوية، وكما عَرَّض إبراهيم للملكِ الظَّالم بقوله: «هَذِهِ أُخْتِي» لزوجته، وكما قال: «إِنِّي سَقِيمٌ» فعرَّض بأنه سقيمٌ قلبُه من شركهم، أو سيَسْقَمُ يومًا ما، وكما فعل في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣](٨)، فإنَّ الخبرَ والطَّلَبَ كلاهما معلَّق بالشرط، والشرط متصل بهما، ومع هذا فسمَّاها صلى الله عليه وسلم ثلاثَ كذِبات، وامتنع بها من مقام الشفاعة، فكيف يصحّ دعواكم أنّ الكذب يجب إذا تضمن عصمة مسلم مع ذلك؟

فإن قيل: «كيف سمَّاها إبراهيم كذبات وهي تورية وتعريض صحيح؟»

فنقول: الكلام له نِسبتان، نسبةٌ إلى المتكلِّم وقصده وإرادته، ونسبة إلى السَّامع وإفهام المتكلمِ إيَّاه مضمونَه، فإذا أخبر المتكلِّم بخبرٍ مطابقٍ للواقع وقصد إفهامَ المخاطَب فهو صِدْقٌ، وإن قصد خلاف الواقع وقصد مع ذلك إفهامَ المخاطَب خلاف ما قصد، بل معنًى ثالثًا لا هو الواقع ولا هو المراد، فهو كذبٌ من الجهتين بالنسبتين معًا.

وإن قصد معنًى مطابقا صحيحًا وقصد مع ذلك التعمية على المخاطَب، وإفهامَه خلاف ما قصده فهو صدق بالنسبة إلى قصده، كذب بالنسبة إلى إفهامه.

ومن هذا الباب التَّوريةُ والمعاريضُ، وبهذا أطلق عليها إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام اسم الكذب، مع أنه الصَّادقُ في خبره، ولم يخبر إلاَّ صدقًا.

فتأمَّل هذا الموضع الذي أشكل على الناس، وقد ظهر بهذا أنَّ الكذب لا يكون قَطُّ إلاَّ قبيحًا، وأنَّ الذي يحسن ويجب إنما هو التورية، وهي صِدقٌ، وقد يطلق عليها الكذب بالنسبة إلى الإفهام لا إلى العناية»(٩).

فإذا تقرَّر هذا، فعلى الزوج أن يتحرَّز من الكذب الصريح بَلْهَ الحلف بالله عليه، وإذا اقتضت الضرورة أو دعت إليه المصلحة فعليه بالتورية والمعاريض، فإن فيها لمندوحة عن الكذب الصريح، فإن أقسم بالله مورِّيًا فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن حكم المعاريض الجواز عند الحاجة أو المصلحة كما تقدَّم في الحديث.

وممَّا يجدر التنبيه له أنَّ الترخيص بالتورية في مداراة الرجل امرأتَه تقصُّدًا لتحقيق مصلحة الوئام والمحبة بينهما لا ينبغي التوسع فيه والإكثار منه، لأنَّ المغرق في الترخيص بالتورية قد ينكشف أمره يومًا ما لزوجته، الأمر الذي قد يعكِّر على صفو العلاقة الزوجية بإحلال النُّفرة محلَّ الأُلفة، وذلك نقيض ما كان يصبو إليه بالمعاريض والتورية.

وفي هذه المسألة فإنَّ القول في الرجل مع المرأة كالقول في المرأة مع الرجل ولا فرق.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ ربيع الأوَّل ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٨ مارس ٢٠١٠م

------------------------------------------------------------

(١) أخرجه البخاري في «الأدب» (٣/ ٢٣٥) باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وما ينهى عن الكذب، ومسلم: (٢/ ١٢٠٨) في البرِّ والصلة والآداب» رقم (٢٦٠٧) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلم (١/ ٦٠) في «الإيمان» رقم (١٠٦)، وأحمدُ في «مسنده» (٥/ ١٤٨)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاري في «الصلح» (٢/ ٤) باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، من حديث أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها.

(٤) أخرجه مسلم (٢/ ١٢٠٧) في «البر والصلة والآداب» رقم (٢٦٠٥).

(٥) «مراتب الإجماع» لابن حزم: (١٥٦).

(٦) قال الجرجاني في «التعريفات» (٧١): «التورية: وهي أن يريد المتكلم بكلامه خلاف ظاهره، مثل أن يقول في الحرب: «مات إمامكم»، وهو ينوي أحدا من المتقدمين».

(٧) أخرجه البخاري في «تفسير القرآن» (٢/ ٥٣٤) باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾، ومسلم (١/ ١١٠) في «الإيمان» رقم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه البخاري في «الأنبياء» (٢/ ١٧٩) باب قول الله تعالى ﴿واتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾، ومسلم (٢/ ١١١٢) في «الفضائل» رقم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٩) «مفتاح دار السعادة» لابن القيم: (٢/ ٣٩٤-٣٩٦) [بتصرف يسير].

الموقع الرسمي للشيخ محمد علي فركوس حفظه الله






عبير الإسلام

عدد المساهمات : 676
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى