منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

أهميّة دراسة التّوحيد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأربعاء مايو 04, 2016 11:38 pm










أهميّة دراسة التّوحيد

لفضيلة الأستاذ الدكتور : محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني

مقدمة :

الحمد لله وحده لا شريك له ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، أما بعد :

فإنّه في خضم الدعوات المتلاحقات لتناول مناهج التعليم في بلادنا بالتعديل والتطوير والتحسين ، ونحو هذه المفردات المجملة التي يراد بها حق وقد يراد بها باطل يتخفى طالبوها تحت دثار إجمالها ، سمعنا بمن يطلب أن تجتمع مواد التعليم الشرعي تحت مسمّى واحد هو : " الثقافة الإسلامية " يضم أقسام العلم الشرعي في منهج واحد يأخذ من كل قسم شيئا ، فلا تتميّز عقيدة بدراسة مختصّة بها ، ولا أحكام بدراسة مختصّة بها ، بل يجمع الدلالة عليها منهج عام يعطي – في دعوى أصحاب هذا الطلب – صورة موحّدة متكاملة للثقافة الشرعية التي تتطلبها قيم المجتمع ومبادئه وولاءاته الثقافية – زعموا -

ولما قد يجور به هذا الرأي على الثوابت الأسس للديانة من تهميش وتمييع ينال من ركنيّتها ويضعف قوّتها ، ويلفت عنها النظر الواجب إلى منزلتها ، ويجرح هيبتها ، ويؤسس للجراءة عليها والتّخفّف شيئا فشيئا من سلطانها ، والتمهيد لتناسخ العلم بها ، حتى يعود الناس إلى جاهلية جهلاء كالتي بعث الرسل إليها ، ولم تكن مهمة الرسل حين بعثوا إليها إلا ردّ الناس إلى تلك الثوابت واستئناف تأسيسهم عليها .

لمثل هذه المخاوف الشرعية ، ولما جرت عليه طريقة الشرع من حماية حمى الثوابت بسد الذرائع إلى الباطل عنها ، أكتب هذه الدراسة في بيان أهميّة دراسة التّوحيد ، فإن في طلب رفع اسم " التّوحيد " عن منهج يخصّه ، في مواد التعليم الشرعي ، حصول ما ذكر من المخاوف ، إذ التّوحيد شعار الملّة ، وهو جماع أمرها ، وهو مقصدها وغايتها ، فإن اختفى اسمه واقتصر فيه على رؤوس أقلام ومفردات عامّة فماذا بقي من الملّة ؟!!

أيّ صورة هشة مهزوزة مختلطة المعالم لا تبدي حقيقة ولا توضّح موضوعا تلك التي يعرض فيها التّوحيد في منهج عام مجمل يسمّى الثقافة الإسلامية ؟!! كيف يكون التّوحيد حين يتناوله المنهج على هذا النحو ثابتا أساسا ؟!! وكيف يكون شعارا ومقصدا ؟!! أيّ خصوصية لهذه الثقافة في مثل هذا العرض ؟!! وأيّ منهج للأمّة وأفرادها فيه ؟!!

وقد كتبت هذه الدراسة ملتفتا إلى هذا المقصد المذكور ، وهو التّذكير بأهميّة دراسة التّوحيد ، وأن يبقى لهذا الإسم خصوصيّته العليا التي لا تدافع بنزوة ، ولا تداحض بأيّ شبهة ، لينتبه كل من جرته نزوة أو شبهة إلى منزلة التّوحيد التي بها جماع حياة الفرد والجماعة والخلق ، وعليها مدار السعادة في الدارين ، وليعلم أنّ التوحيد معقد الإستقامة ، وأنّه الثّابت الأساس لأمن الحياة الإنسانية وتغيّراتها ، هو صمام أمانها ، ونواة نموّها ، وحدود غايتها ، فلا يصلح شأن التعليم قط إلاّ والتّوحيد اسم بارز على أوّل وأهم مناهجه ، يتغذى به طلاب العلم ، ويؤسسون على مبادئه وترعاه فيهم مراحل التعليم المتتابعة تمام الرعاية . وقد رتبت الكلام في بيان أهمية دراسة التوحيد على الخطة التالية :

التمهيد : وفيه عرض لمفهوم التوحيد .

المبحث الأول : " أهميّة التّوحيد في ذاته "

وفيه مطالب : المطلب الأول : " كونه حق الله تعالى "

المطلب الثاني : " كونه علّة خلق الخلق "

المطلب الثالث : " كونه قضية الوجود "

المبحث الثاني : " ضرورة الخلق إلى التّوحيد "

وفيه مطلبان : المطلب الأول : " فطرية التأله "

المطلب الثاني : " ضرورة الخلق إلى التأله لله وحده "

المبحث الثالث : " شدّة حاجة المسلمين اليوم لدراسة التوحيد "

وفيه مطالب : المطلب الأول : " الجهل الواقع بالتوحيد علما وسلوكا "

المطلب الثاني : " المشكلات العامّة الحالّة بالمسلمين "

المطلب الثالث : " حاجة العصر إلى التزام المسلمين بالتوحيد الحق علما وسلوكا "

وإنّما رتّبته على هذه الفصول لأنّها فيما بدا لي أهمّ وجوه أهميّة دراسة التوحيد ، فإنّك إذا نظرت إلى عناوين المباحث والمطالب ظهر ذلك لك ، فكيف لا تكون لما له في ذاته التي تفصلها المطالب المذكورة تحت المبحث الأول أهمية عظمى لدراسته ؟!!

وكيف لا تكون لما للخلق ضرورة إليه أهميّة عظمى لدراسته ؟!!

وكيف لا تكون – مع الإنحراف الواقع في التوحيد الذي له الأهمية المذكورة ، وهو ضرورة الخلق وحاجتهم – لدراسة التّوحيد أهميّة عظمى ؟!! وكيف لا تكون لما حاجة العصر إليه غاية الحاجة أهمية عظمى لدراسته ؟!! والله المستعان والموفّق لحصول المقصود ، وما كان صوابا فمن الله وحده ، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان .

وقد استحسنت نشر هذا المحرر والأمر كما قال ابن يزيد :

فــي كــلِّ مستحسَــنٍ عيــبٌ بلا رَيْـبِ مــا يســلَم الــذهبُ الإبْرِيــزُ مـن عَيْـبِ

والحمد لله أوّلا وآخرا لا شريك له .

مفهوم التّوحيد

التّوحيد هو إفراد الله بالعبادة ، فهو عمل العبد ، يفرد الله بطاعاته لا يشرك معه غيره ولا يتوجّه قصده بها أو بشيء منها إلى غير الله .

هذا هو معنى التوحيد ، وهذا المعنى هو المعبر عنه عند أهل العلم بـ " توحيد الألوهية " فلفظ التّوحيد إذا أطلق من غير إضافة إنّما يُرَاد به هذا المعنى الذي هو توحيد الألوهية ، وهذا المعنى إذا تحقّق من العبد دل على علمه واعتقاده أنّ الله منفرد ذاتًا وصفات وأفعالا ، لا سَمِيَّ له ولا كفؤ ولا شريك شاركه ربوبيته أو ظاهره فيها ، وإنّما كان التوحيد دالا على اعتقاد الموحّد انفراد الله بربوبيته وكمال صفاته لاستقرار العلم فطرة وعقلا أنّه لا يستحق العبادة إلاّ الربّ – الخالق المالك المدبّر – الكامل في صفاته ، فالمعبود إنّما يعبد لأمرين :

1 - لكونه خالق العابدين ومالكهم ومدبّر أمرهم ، قال الله : ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) فلا يكون إله إلاّ وقد خلق خلقا يعبدونه فيستقل بهم .

2 - لذاته ، ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان كاملا لا نقص في صفاته ولا عيب ، قال إبراهيم عليه السلام لأبيه : ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) ، فبين أنّ العادم لصفات الكمال ناقص لا يمكن أن يكون معبودا وبين أن العلم بذلك فطري (1) فإذا توجّه العابد بعبادته لواحد أفرده بقصده وعمله لم يتوجه إلى غيره ، فقد اعتقده واحدا منفردا في خلقه وملكه وتدبيره ، ومنفردا في كماله ذاتًا وصفاتًا . ولذلك كان الشِّرْكُ بالله بقصد غيره معه في العبادة تَنَقُّصًا لحظ ربوبيته سبحانه ، وهضما لعظمة صفاته عز وجل ، ولذلك جعل الله الشِّرْك سُوء ظنّ به سبحانه ، إذ قال : ( وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )، وسُوء ظنّ المشرك هو ما دل عليه شركه مع الله غيره في العبادة من نسبة حظ من الربوبية وكمال الصفات إلى هذا الغير (2)وسوء الظن هذا هو الذي لأجله أخبر الله في ثلاثة مواضع من كتابه عن المشركين أنّهم ما قدروا الله حقّ قدره .

فـالتوحيد إذا أطلق فلا معنى له إلاّ توحيد الألوهية ، وإذا قلنا " توحيد الألوهية " فهو معنى التوحيد ، وتقرّر هذا المفهوم ثلاثة أدلّة يأخذ بعضها بحجز بعض .

الأول : دليل اللّغة ، فإنّ لفظ " التوحيد " مصدر الفعل " وحّد " والواو والحاء والدال أصل في اللغة يدل على الإنفراد(3)

والتوحيد تفعيل ، فمعناه الإفراد ، وانفراد الله في ربوبيته وكمال صفاته ذاتي ليس بتفعيل من أحد ، فهو فرد في ربوبيته وكمال صفاته لا بإفراد مفرد ، فالإفراد الذي يكون من العبد لله عز وجل هو توجهه له بقصده وعمله وحده دون سواه ، وهذا هو التعبد ، فرجع معنى توحيد الله في اللغة إلى المعنى الذي ذكرنا ، وهو إفراد الله بالعبادة .

الثاني : دليل إجماع الخلق ، فالخلق مجمعون على إفراد الله بالربوبية وكمال صفاته ، لم يدع أحد في الخلق أبدا شركة في ذلك ، بل جميع بني آدم منذ أهبط إلى الأرض حتى اليوم على إفراد الربّ بالخلق وكمال الصفات ، يقول ابن تيمية رحمه الله : " وقد ذكرنا أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأوّلين والآخرين في المِلَل والنِحَل والآراء والديانات ، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات ، ولا مماثل له في جميع الصفات ، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين ، النور والظلمة ، وأنّ النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر ، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين : أحدهما أنّها محدثة فتكون من جملة المخلوقات له ، والثاني " أنها قديمة لكنّها لم تفعل إلا الشر فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور "(4)

وذكر نحو ذلك الرازي أيضا(5) وهذا الإفراد في الربوبية وكمال الصفات هو الإيمان الذي أثبته الله للمشركين في قوله ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ )، أي : وإن أفردوا الله في ربوبيته وصفاته فإنّهم يشركون به في العبادة ، وهذا خلاف التوحيد الواجب ، فدلّ هذا على أنّ التوحيد إذا أطلق ليس هو التوحيد في الربوبية والصفات ، لأنه حاصل من الخلق .

الثالث : دليل مراد الشرع واستعماله ، فإن هذا المعنى المذكور ، وهو إفراد الله بالعبادة ، هو مفهوم الشرع الذي يطلق عليه اسم التوحيد ، فهو ما بعثت به الرسل ، لم تأمر إلا به : ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .

وفهم المخاطبون بالرّسالات هذا المفهوم من خطابها : ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ  )، وقال : ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ )، ورد في أحد ألفاظ حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتاب في اليمن ، (فَلْيَكُنْ أوّل ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله )، وقد فسّر هذا الذي سمّي في هذه الرواية توحيدا بالعبادة ، ففي لفظ آخر : ( فَلْيَكُنْ أوّل ما تدعوهم إليه عبادة الله ) ، وفي لفظ آخر : ( فإذا جئتهم فَادْعُهُم إلى أن يشهدوا ألاّ إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله ) ، فجعل الشّهادة هي معنى التوحيد .

وفي رواية لحديث ابن عمر في مباني الإسلام : بُنِيَ الإسلام على خمس : على أن يوحّدوا الله ... فجعل الشهادة هي التوحيد . وفي حديث عمرو بن عبسة أنّه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما أنت ؟ قال " نبي الله " . قال : آلله أرسلك ؟ قال " نعم " قال : بأيّ شيء قال " ... وأن يوحّد الله لا يشرك به شيئا

وعرف الصحابة هذا المفهوم فاستعملوه في كلامهم ، في حديث جابر بن عبد الله في سياق صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " فأهلَّ بالتّوحيد لبيّك اللّهمّ لبّيك ، ليّبك لا شريك لك ، إنّ الحمد والنِّعْمَةَ لك والمُلْك لا شريك لك " فجعل الإهلال بالحج لله وحده لا شريك له توحيدا ، والحج من أعمال التّعبّد .

ومفهوم الشرع هذا لِمُسَمَّى التوحيد هو الذي فهمته الأُمّة واتّفقت على إطلاق اسم التّوحيد عليه ، قال الدارمي : " تفسير التّوحيد عند الأُمَّة وصوابه قول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له "(6)

فظهر أنّ معنى لفظ " التوحيد " المعهود شرعا والمعروف من إطلاقات اللغة والموافق لحال الخلق ، هو " إفراد الله بالعبادة " .

------------------------------------------------------------------------

(1) انظر درء تعارض العقل والنقل 10/155.

(2)انظر وجوه سوء الظن بالله في زاد المعاد 3: 288/235.

(3)انظر معجم مقاييس اللغة 6/90.

(4)التدمرية 115/116.

(5)التفسير الكبير: 2/112.

(6)نقض الدارمي على بشر 6.

من: مجلة البحوث الإسلاميّة



العدد السابع والثمانون - الإصدار : من ربيع الأول إلى جمادى الآخرة لسنة 1430 هـ / البحوث / أهمية دراسة التوحيد / مقدمة (مفهوم التوحيد )

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 98)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 99)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 100)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 101)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 102)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 103)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 104)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 105)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 106)

يُتبع إن شاء الله...





عدل سابقا من قبل عبير الإسلام في الخميس مايو 05, 2016 6:50 pm عدل 1 مرات

عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الخميس مايو 05, 2016 3:15 pm



مباحث الموضوع :

المبحث الأول : أهميّة التّوحيد في ذاته


التّوحيد في ذاته أهمّ المهمّات ، هو أوّلها وآخرها ، هو عنوانها وموضوعها ، وما كان هذا قدره ومنزلته فلا غرو أن تكون لدراسته أهميّة تليق بأهمّيته .

وتظهر أهميّة التّوحيد في ذاته في وجوه نفصل منها في المطالب الآتية :

المطلب الأول : كونه حق الله تعالى :

إنّ الحقوق تعظم بعظمة ما تتعلّق به ، وليس في الوجود أعظم ولا أكبر ولا أجلّ وأعزّ وأعلى من الله تعالى ، كيف وهو موجد الوجود ، فحقّه أعظم وأكبر وأجلّ وأعزّ وأعلى الحقوق ، وما كان له هذه العظمة فلدراسته أعظم الأهمية .

والحق في اللغة هو الواجب ، يُقَال : حق الشيء : وجب(1)، والتوحيد هو الواجب لله وجوبا ثابتا متأكّدا لا سبيل لإنكاره ، وهو الصواب الذي لا مدخل للخطأ فيه ، والصحيح الذي لا تنفذ شُبْهة إليه ، فهو حق الله لا شريك له فيه ولا ينبغي لغيره .

وتأكّد وجوب التّوحيد لله من جهتين :

1 . فهو متأكّد في ذاته لثبوته وتمكّنه بإضافته إلى الله ، فالله هو أهله كما قال سبحانه : ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ )، أي : أهل لأن يتقى بعبادته وتوحيده بالعبادة ، لأنّه الذي لا ينبغي العبادة لأحد سواه ، ولا تحقّ إلاّ له ، فرجوع حق التوحيد إلى الله وتعلّقه به سبحانه يجعله متأكّدا في ذاته ، ولذلك وصف نفسه سبحانه بأنّه (الحق) والمعبودات من دونه باطل ، فقال : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ )، أي : هو المعبود بحق ، الحق في العبادة له لا لغيره ، كما زاده بيانا سبحانه حين ذكر أنه ينادي المشركين به يوم القيامة فيقول : ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ، ويقول : ( هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) أي : على صحة دعواكم أنّهم شركاء لي ، قال سبحانه إثر ذلك : ( فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ )

ولقد أطلق الله على نفسه اسم (الحق) في مواضع من كتابه ، قال سبحانه : ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) وقال سبحانه : ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ )، وقال سبحانه : ( هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ )، وقال سبحانه : ( وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وقال ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) ، فالله هو الحق ، أي : ذو الحق وصاحبه وأهله ، وكل ما عاد إليه حق ، وله الحق في الأمر والنهي سبحانه وتعالى ، وأن يعبد بامتثال أمره واجتناب نهيه .

وهو – أي وجوب التوحيدمتأكّد في قيام الخلق ووقوعه منهم لربّهم سبحانه ، وذاك لأنّه يوافق ما يجب أن يقع ، والخلق قسمان : خلق مسخّر غير مكلّف ، فهؤلاء موحّدون لله أبدا لا ينقطع منهم توحيد الله بحال ، قال الله في هذا القسم : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ

وقال سبحانه : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ )، وقال سبحانه : ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ).

والقسم الآخر:  خلق مكلّف تمكن منهم المعصية ، فمنهم مَن يوحّد الله فيوافق ما يجب أن يقع ، ومنهم مَن يعود بحق الله إلى غيره فيخرج من حدّ التوحيد ، ولذا لمّا ذكر سبحانه غير المكلّفين في قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ) عمّهم من غير استثناء ، فالجميع يسجد له ، ثم لمّا ذكر بعض المكلّفين قال : ( وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) ، فاستثنى ، وهذا القسم تعاهد الله حقّه فيهم ، ففطرهم في أوّل الأمر على توحيده ، كما قال : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ثم لمّا أهبطهم إلى الأرض أخبر أنّه لا يتركهم بلا هدى يرسله فيهم يحفظهم من الصوارف عن التوحيد إن هم اتّبعوه ، قال سبحانه : ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ) ثم كلّما نسوا العلم وخرجوا عن الهدى بعث لهم رسله تهديهم : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )

فهذا القسم مَن أطاع الله منهم ووحّده فحصول التّوحيد منه موافق لما يجب أن يقع ، وهذا وجه تأكّد وجوبه في عملهم به ، ومَن عصى الله فلم يوحّده فقد قال الله فيه ، كما في الآية المذكورة آنفا : ( حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ )، فوجوب العذاب على ترك التّوحيد واستحقاق المعرض عن التّوحيد العذاب هو وجه تأكّد وجوب التّوحيد في هذه الحال ، فرجع تأكّد ثبوت ووجوب التّوحيد من جهة قيام الخلق به إلى وجهين :

1- موافقته لما يجب أن يقع فيمن أدّى التّوحيد ، سواء ممّن هو مسخّر أو مكلّف مطيع .

2- استحقاق العذاب على تركه فيمن أعرض عنه .

وقد جاء هذا المعنى على لسان الشارع صلى الله عليه وسلم ، ففي حديث معاذ بن جبل قال :  كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار ، فقال لي : " يا معاذ ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ؟! " قلت : الله ورسوله أعلم . قال : " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحق العباد على الله ألاّ يعذّب مَن لا يشرك به شيئا " (2) ، فَمَنْ عبده فقد أدّى الواجب عليه ، وهذا حق الله عليه ، ومَن أعرض استحق العذاب لحق الله عليه .

وإنّما كان التوحيد حقًا خالصا لله لأمرين فصّل فيهما القرآن تفصيلا بيّنًا ، على ما سنذكر طرفا منه ؛ وهذان الأمران هما :

1- أنّه ربّ المخلوقات ، خلقهم وهو يملكهم ، وهو الذي يدبّر شؤونهم : يسير نظام الكون ، ويقدر الأحوال ؛ من رزق وتكاثر وحياة وممات وسائر شأنهم دقه وجله ، ويبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء . ومَن كان هذا شأنه فالحق له على خلقه أن يعظّموه حُبًّا وذُلاًّ له سبحانه ، ويوحّدوه بهذا التّعظيم والذُلّ ، فكما أنّه خلقهم وحده لا شريك له ، وملكهم له وحده لا شريك له ، ويدبّر أمرهم وحده لا شريك له ، فحقّه أن يعبد وحده لا شريك له ، فالتّوحيد حقه على الخلق لربوبيّته لهم وحده بلا وشريك .

2- أنّه الكامل ذاتًا وصفات وأفعالا وأسماء ، كمالا مطلقا لا ذم فيه ولا نقص ، ولا ند له فيه ولا سمي، ليس كمثله شيء ولا يحاط به علما وله المثل الأعلى ، جلّ وتعالى وعزّ سبحانه ، ومَن كان هذا شأنه استحق التّعظيم والتّذلل ، والعبادة حق له وحده ، فكما أنّه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه لا كفؤ له ولا مثل ، فحقه أن يعبد وحده لا شريك له ، فالتّوحيد حقّه على الخلق لذاته سبحانه .

وقد قرر القرآن هذين الأمرين من وجوه عدّة ، وكل أمر كثرت وجوه تقريره وتعدّدت طرق الدلالة عليه تأكّد ثبوته تأكّدا بالغا .

------------------------------------------------------
(1)انظر تهذيب اللغة 3/374 ومعجم مقاييس اللغة 2

(2)متفق عليه ، البخاري مع الفتح 6/58 حديث رقم 2856 ومسلم 1/58 حديث رقم 49

من مجلة البحوث الإسلامية


المملكة العربية السعودية

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 107)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 108)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 109)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 110)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 111)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 112)

يُتبع إن شاء الله





عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الجمعة مايو 06, 2016 8:50 pm



أمّا الأمر الأوّل : فإنّ قاعدة القرآن الإستدلال للتوحيد بالرُبُوبِيَّة وقد جاء تقرير ذلك من وجوه عدة منها :

1- استدلال الربّ سبحانه بالربوبية للتوحيد والأمر به ، ومن أمثلة هذا الوجه : قوله سبحانه في أوّل أمر ورد في المصحف : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )، ففي الآية الأولى أمر الله الناس بعبادته وأسند ذلك إلى ما يعلمونه من ربوبيته لهم وذكر بعض أفراد ربوبيته ، فأمر بالتوحيد ثم استدل له بالربوبية ، وفي الآية الثانية بدأ بذكر أفراد ربوبيته ثم نهى عن الشِّرْك ثم ذكر علم الخلق بربوبيته فذكر الدليل ثم أتبعه بذكر دلالته ثم أردفه بتأكيد حجة للدليل ، وهي إقرار الخلق به وعلمهم إيّاه ، قوله سبحانه : ( إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ) فأكّد التوحيد بالجملة الاسمية واستعمال " إنّ " التي للتأكيد وحرف " اللاّم " الذي للتأكيد في قوله " لواحد " ثم ذكر دليله وهو الربوبية . قوله سبحانه : ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) ففي قوله : ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ ) ذكر الربوبية ثم ذكر لازمها وموجبها ، فذكر الدليل أولا ثم ذكر مدلوله ، وكذا في قوله : ( خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ) ، ذكر الربوبية ثم أمر سبحانه بعبادته فذكر دليل الأمر وموجبه أولا ثم أمر سبحانه ، بقوله سبحانه : ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) ، فذكر الدليل ثم أمر بموجبه ومدلوله ، ولما كان الخطاب في هذه الآية لنبيه صلى الله عليه وسلم ورسوله إلى الناس والقدوة لأوليائه أردف الأمر بالتوحيد بالأمر بالاصطبار عليه .ونحو هؤلاء الآيات كثير يطول حصره جدا .

2- استدلال الرُّسل بالرّبوبية للتّوحيد والدعوة إليه : ذكر القرآن احتجاج الأنبياء بالربوبية للتوحيد والدعوة إليه ، ففيه ذكر دعوة نوح عليه السلام أمر فيها قومه بقوله : ( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) ، وقوله : ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ )، واستدل لوجوب هذا الأمر وصحته بقوله : ( أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا )، وفيه قول هود عليه السلام لعاد : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) ، فأمر بالتّوحيد واستدلّ له ، وفيه : ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) فأمر بالتوحيد وأقام دليله ثم كرر الأمر ، فجعل الدليل واسطة بين ابتداء الأمر وتكراره ، فالربوبية دليل التوحيد وموجبه ، وفيه قول شعيب لقومه : ( وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ )، وقول عيسى عليه السلام : ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ )، شعيب عليه السلام أمر بالتّوحيد ثم ذكر دليله ، وعيسى عليه السلام بدأ بالدليل ثم ذكر موجبه حيث أمر بالتوحيد ، ووصف هذا بأنّه صراط مستقيم ، إذ لا يكون الربّ إلاّ المعبود ، فلا يستحق العبادة إلاّ الربّ ، فَمَنِ استدل بالربوبية للتوحيد فقد سلك طريقا معتدلا قويما موصلا إلى الله ، ونحو هذا في القرآن كثير .

3- محاجة المشركين في تركهم التوحيد بالربوبية : وهذه المحاجة تظهر في ثلاثة وجوه : حجتان ونتيجة .

أمّا الأوّل فهو الاحتجاج عليهم بإقرارهم بالرّبوبية لله وحده ، لإلزامهم بالتوحيد حقًا خالصا لله ، وهذا في آيات منها : ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ (59) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْـزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (61) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )

فذكر أفرادا من أفعال الربوبية وتوجّه بسؤال تقريري في كل منها بقوله : ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ )أي : أإله مع الله فعل هذا ؟! (1)وجواب هذا السؤال ولا بد : لا ، وهذا هو وجه التقرير في السؤال : علمهم بأنّه ليس معه ربّ فعل هذا ، فتتمّ الحجّة عليهم ، ويحصل الإفحام ، إذ كيف تقرّون بألاّ ربّ معه فعل هذا لكم ثم تجعلون معه إلها آخر تعبدونه معه ؟! فكما أنّ ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتك ، فألوهية ما سواه باطلة ، إذ لا يصح أن يعبد مَن يعجز عن فعل هذا .

ولذلك ختم المحاجة بعد ظهور الحجة ووقوع الإفحام بقوله : ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، أي : هاتوا حجة تبطل هذه الحجة الظاهرة القائمة عليكم ، وإلا فالزموا الحق وأذعنوا لهذه الحجة وتوجّهوا بالتوحيد لله .

أمّا الوجه الثاني فهو الاحتجاج عليهم بخلوّ المعبودات من دونه من شيء من صفات الرّبوبية ، لإلزامهم بالتوحيد حقا خالصا لله ، وهذا في آيات منها : ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ )، فذكر سبحانه خلوّ مَن يدعون من دونه من صفات الرّبوبية ثم قرّر الحق ( إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ )، وهو المتّصف بصفات الربوبية ، فلا إله إلاّ الربّ ، وقوله : ( قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ )، أي : منكرة للشِّرْك مع الله الربّ غيره في العبادة ، وهذا احتجاج بعلمهم وإقرارهم .

( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ، فنفى أن تكون للمعبودات من دونه ربوبية على عابديها ، ولذلك فهم ظالمون بوضع العبادة في غير موضعها ظلما بَيِّنًا ، فهم في ضلال مبين ، لظهور الحق بالدليل المذكور : أن لا ربّ إلاّ الله ، فمن ترك الحق البين كان ضلاله بينا ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ )، وهذا بعد ذكر خلقه سبحانه الأرض والجبال والبحار والحيوانات والنباتات والليل والنهار والأفلاك ، يحضهم سبحانه إلى الإذعان لهذه ( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) وفي هذا السؤال تقرير أن ليس لله شركاء خلقوا كخلقه فيستحقون العبادة معه ، ولذلك قال : ( قُلِ اللَّهُ )، أي : قله ولن تجد مخالفا لك في ذلك ، وعليه فالعبادة لله ، وتوحيده بها حقّه على خلقه ، قال تعالى : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ )،  فأخبر سبحانه عن خلوّ المعبودين من دونه من أي أصل من الأصول الجامعة لاستحقاق العبادة ، فلا يملكون شيئا من الخلق ملكا مستقلا ، وليس لهم في شيء من الخلق ملك بالشركة ، وليس لهم إعانة للخالق في الخلق والتّدبير ، وليس لهم على الخالق جاه يدلون به إليه بذواتهم أو مكانتهم ، فتكون لهم عنده كلمة مطاعة وإن لم يأذن أو لم يرض ، فحسم مادة الشرك من أصلها ، وأقام أساس استحقاقه للعبادة وحده دون سواه ، فالتوحيد حقه لا حق لسواه فيه ، وبعد هذا التقرير ورد قوله سبحانه : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ )، وقوله : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ ، قدم وَإِنَّا على أَوْ إِيَّاكُمْ ) ثم قال : ( لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )، فقدم ( لَعَلَى هُدًى )على ( أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) لأنّ الهدى متعيّن لموحّدي الله بالعبادة بعد ظهور الحجة الواضحة الحاكمة بالتّعيين حتى صار للحجة معلوما علما مغنيا عن ذكره ، والمعنى : إنَّا على هدى وإنّكم لعلى ضلال مبين ، لأنّا وحدنا الذي يرزقنا وأشركتم به .

أمّا الوجه الثالث فهو أنّ الله سفّه فعل المشركين أن عبدوا مَن لا يتّصف بصفات الرّبوبية الموجبة للعبادة ، وهذا التّسفيه نتيجة لقيام الحجة على بطلان هذا الفعل وظهورها جلية غير مدفوعة ، وهذا التسفيه ورد في آيات عديدة منها : ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا ) ، وقوله تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ، أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )، ( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) .

-------------------------------------------
(1)هذا هو التقدير الصحيح لمعنى الآية ، ومن قدر المعنى : " هل مع الله إله آخر " من غير : " فعل هذا " فقوله ضعيف ، لأنهم لا ينكرون أن مع الله آلهة أخرى ، فيكون جوابهم : نعم ، ولا حجة في هذا عليهم ، أما مع تقدير : " فعل هذا " فالجواب : لا ، وتقوم الحجة . انظر مدارج السالكين 1\412 .

المصادر:

مجلة البحوث الإسلامية

نفس المصدر الأول

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 113)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 114)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 115)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 116)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 117)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 118)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 119)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 120).

يُتبع...إن شاء الله...





عدل سابقا من قبل عبير الإسلام في السبت مايو 07, 2016 12:17 am عدل 1 مرات

عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الجمعة مايو 06, 2016 9:10 pm



وأمّا الأمر الثاني ، من الأمرين الذين لهما كان التوحيد حقًا خالصا لله وحده : فإنّ الآيات في بيان استحقاق الله التوحيد لكمال ذاته وصفاته كثيرة ، ودلّت من وجوه عديدة منها :

1- تقرير استحقاق الله للتّوحيد بذكر صفاته العلى : وهذا في آيات لا تُحصى إلاّ بتطويل كثير ، نقتصر منها على آيات سورة الحشر ، قال تعالى ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ذكر سبحانه ألوهيّته ، وسبّح نفسه عمّا يشركون ، وذكر تعبّد ما في السماوات والأرض له ، وسرد بين ذلك صفاته سبحانه فأفرد بعضها بالذكر وأجمل ( لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) التي استحق لها ذلك وهي دليل لهذا الإستحقاق .

2- الاستدلال بكمال الصفات للأمر بالتّوحيد والدعوة إليه : ومن أمثلة هذا : ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا )، وهذا سؤال تقرير للمعلوم من أنّه ليس له سبحانه مماثل في صفاته وكماله فيستحق العبادة معه أو من دونه ( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )، ذكر سبحانه الحجّة لاستحقاقه التوحيد بذكر صفات من صفاته العلى وأسمائه الحسنى ، وقضى بظهور الحجة وتبيّنها تبيّنا لا حاجة معه للإكراه على التوحيد ، فلا يلتزمه إلاّ أهل الرشد والإستقامة ولا يتركه إلاّ أهل الغي والضلال .

3- الإستدلال بكون الناقص ذاتًا وصفات لا يكون إلها وتسفيه المشركين في اتّخاذهم عادم صفات الكمال إلها : وهذا شاهد ظاهر قوي لاستحقاق الله التوحيد فهو الكامل وحده كمالا مطلقا ذاتًا وصفات ، وهذا المعنى ورد في آيات كثيرة منها : ذكر الله قول إبراهيم عليه السلام لأبيه : ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) ففي هذا تقرير معلوم ظاهر غير خفي أنّ الناقص عادم صفات الكمال لا يكون إلها يُعْبَد إنّما تكون العبادة للسميع البصير الغني ، كامل الصفات ، فالتّوحيد حقّه .

وبنحو ما ألزم عليه السلام أباه قومه : ( قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ )، فأظهر لهم علّة بطلان عبادة آلهتهم فهي لا تتكلّم وهذا نقص أذعنوا للحجة فيه ، وسلّموا بالظّلم الذي وقع منهم بوضع العبادة في غير موضعها ، لكنّهم رجعوا إلى علم ورثوا عن آبائهم تجاهله لا لحقّ بل لعادة استحكمت على عمى وضلال ، فكرّر عليهم الحجة بعدم أهليّة النّاقص للعبادة ، فلم يجدوا حجّة ناقضة ، فلجؤوا إلى البطش وإلغاء وجوده ، شأن فاقد الحجّة إذا أخذته العزّة بالإثم ، ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ )، فدلّ سبحانه على عدم أحقّيّة معبودهم هذا بالعبادة كونه لا يتكلم ولا يهدي ، ناقص الصفات والأفعال ، ومثله سواء بسواء قوله سبحانه : ( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا ). وقال سبحانه : ( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا )، فهذه حجّة ظاهرة في أنّ المستحق للعبادة لا يكون إلاّ كاملا متّصفًا بصفات الكمال ، لأنّ مَن عدمت فيه هذه الصفات لا يكون إِلَهًا ، وقد نبّه بِصِفَتَيْ المشي والبطش إلى نوع الصفات الفعلية ، وبِصِفَتَيْ السمع والبصر إلى نوع الصفات الذاتية (1).

وخلاصة القول :

أنّ التّوحيد حق خالص لله عز وجل ، استحقّه سبحانه لذاته ، لكماله ذاتًا وصفاتً وانفراده بهذا الكمال فلا شريك له فيه ، ولربوبيته على خلقه وانفراده بالربوبية فهو الرب لكل ما سواه وكل شيء مربوب له .

ولهذا كان التّوحيد في ذاته أهمّ المهمّات ، فليس أهمّ من حق يعود إلى الخالق سبحانه ، فكانت دراسة التوحيد والعناية بفهمه وتحقيق العلم به ليتحقّق العمل به من أهمّ المهمات .

-------------------------------------------------
(1) انظر الصّواعق المرسلة 3/915.

المصادر:

مجلة البحوث الإسلامية

نفس المصدر الأول

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 121)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 122)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 123)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 124)






عدل سابقا من قبل عبير الإسلام في السبت مايو 07, 2016 12:18 am عدل 1 مرات

عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الجمعة مايو 06, 2016 9:25 pm



المطلب الثاني : كونه علة خلق الخلق

تقدم قريبا التنويه إلى أنّ الله تعالى خلق الخلق قسمين : خلق مسخّر وخلق مكلّف ، وأوردنا آيات دالات على أنّ جميع الخلق المسخّر يسبّح لله ويسجد له ويعبده وحده لا شريك له ، فالأفلاك والشجر وأمم الدواب والطير وأنواع الجمادات والبحار وكل مسخر في السماء والأرض خلقه الله عابدا له وحده يسبح له ويسجد له على نحو لا نفقهه ، ثم قسم سبحانه المكلفين إلى نوعين : نوع عصمهم من أن يعصوه فهم في طاعته دائبون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ويعبدون الله لا يستحسرون عن عبادته ، أي لا ينقطعون عنها أبدا ، كما قال سبحانه : ( وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ )، أي : خاضعون لعبادته من غير إعراض ولا إباء ، وهم في إقبالهم على عبادته سبحانه لا ينقطعون أبدا فهم دائبون عليها أبدا ، وقد فصل سبحانه وجوه عدم انقطاعهم في قوله : ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ )، وقوله تعالى : ( يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ )، أي : لا يقطعهم عن عبادة الله فتور وتعب وكسل ووهن ، ولا يقطعهم سأم وملل ، فنفى عنهم الإنقطاع بنوعيه الحسي والمعنوي ، فإنّ الواحد منّا قد يكون مُقْبِلاً على العبادة راغبا فيها لكن يقطعه عنها مع رغبته فيها تعب جسده ووهنه ، وقد يكون نشيطا موفور القوّة لكنّه سئم وملل ، أمّا هؤلاء فلا فتور ولا سأم ، وهم الملائكة عليهم السلام . فجميع هؤلاء المخلوقات المذكورات قائمة على توحيد الله مؤدّية له مسخّرة له ومعصومة من مخالفته ، جمعها على توحيده سبحانه وإن فرّق أجناسها وأنواعها وخصائصها .

بقي النوع الثاني من المكلّفين ، وهم النوع الذي تمكن منه المعصية فليس هو معصوما عن أن يخرج عن الواجب عليه من توحيد الله ، فقد تجتاله الصوارف فيفسق عن التوحيد ، وهؤلاء هم الجن والإنس ، وهؤلاء أعلن الله في كتابه أنّه إنّما خلقهم لعبادته لم يخلقهم لغير ذلك ، فقال قولا بيّنا فصلا : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ، خصّهم بالذكر هنا لأنّه أراد العبادة منهم شرعا ، وشاء أن يكون فيهم مَن يعصي فلا يعبد ، لا كهيئة بقية المخلوقات التي لم يشأ إمكان المعصية منها ؛ إمّا خلقها عابدة له مسخّرة لذلك ، أو كلّفها بالعبادة تكليفا وشاء عصمتها من المعصية فلا تكون إلا مطيعة عابدة ، ولذلك كان معنى قوله : ( إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) ،  إلاّ لأمرهم بالعبادة وأطلبها منهم فيختلفون فمنهم مَن يطيع فأثيبه ومنهم مَن يعصي فأعاقبه ، وهذا المعنى مذكور عن علي رضي الله عنه وعن عكرمة ومجاهد ويؤيده قوله سبحانه : ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ) فيكون خلقهم ليبلوهم في التوحيد كما قال سبحانه في أكثر من آية في كتابه منها : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ) وقوله تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ) وقوله تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) وقوله تعالى : ( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) ولتحقيق هذه الغاية بعث الله الرُّسُل ، وأنزل الكتب ، وجعل الجزاء ، وخلق له الجَنَّة والنار ، وقسم خلقه إلى أولياء وأعداء له ، فـأهل التّوحيد هم أولياؤه أهل جنّته متابعو رسله منفّذو أوامره ، والآخرون أعداؤه أهل النار مخاصمو رسله معرضون عن أمره .

ولهذا أيضا كان التوحيد أوّل واجب على المكلّف ، به يدخل الإسلام وبه يخرج من  الدنيا ، فإذا كان التوحيد بهذه المثابة العالية والمكانة المكينة فهو أهمّ المهمات ، ولا مهمّ إلاّ ما تعلّق به ، وما سواه فهباء ، ومَن ذا الذي لا يهتمّ بما خُلِق له ، وما خاطبته الرُّسُل به ، وأنزل الله له الكتاب به ، وعلى القيام به مدار الجزاء ؟!! ومَن كان له في ذاته هذا الشأن فلدراسته ذات الشأن .

-------------------------------

المصادر:

مجلة البحوث الإسلامية

نفس المصدر الأول

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 125)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 126)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 127)/





عدل سابقا من قبل عبير الإسلام في السبت مايو 07, 2016 12:18 am عدل 1 مرات

عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الجمعة مايو 06, 2016 9:50 pm




المطلب الثالث : كون التوحيد قضية الوجود

هذا المطلب هو محصلة المطلبين قبله ، والوجود ليس فيه إلاّ الخالق ومخلوقاته ، ليس ثمّة شيء آخر ، والتّوحيد هو الصلة بينهما ، وما دام التوحيد بهذه المثابة هو العلاقة بين الخالق وخلقه ، مَن أذعن لله به حصل الأمن والسعادة ، ومَن أعرض عنه فلا أمن ولا سعادة ، وهو في الدنيا من أهل بغض الله المحجوب عنهم فضله وفي الآخرة من أهل النار أبدا ، يعذّب لا ينعم أبدا ، ما دام التوحيد كذلك فهو قضية الوجود لا شأن في الوجود إلا شأنه ، فأي أهمية تفوق أهميته ؟!! وأي دراسة أحق أن تبذل إلا دراسته .

وكون التّوحيد هو قضية الوجود أمر قرّرته النصوص في الكتاب والسُنَّة ، وشاهد ذلك في أمور .

أوّلها : أنّ الله أعلن القطيعة بينه وبين المشركين بتسجيله سبحانه البراءة منهم في قوله : ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) وفي الحديث القدسي : ( مَن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه )(1) فهذه براءة جازمة ، وقضى سبحانه أن لا أولياء له إلاّ المؤمنون : ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) وقال : ( وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) وقال نافيا الولاية عن المشركين مثبّتا إيّاها للمؤمنين : ( وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ )، فهذه القطيعة الحاصلة بين المشركين وخالقهم مرجعها .

تركهم توحيده سبحانه ، والصلة الحاصلة بين المؤمنين وخالقهم مرجعها إلى توحيدهم ، فالعلاقة بين الله وخلقه مدارها على التوحيد .

وقد أمر الله المؤمنين الموحدين أهل ولايته بقطع كل العلائق إلا إلى العلاقة مع الله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله ، والحب في الله والبغض في الله )(2) فلا يرتبط الموحد بعلاقة ما إلا وحظ التوحيد هو عروتها التي عليها يعول ، فلا يوالي إلا لحظ التوحيد ، ولا يعادي إلا لحظ التوحيد ، ولا يحب إلا لحظ التوحيد ، ولا يبغض إلا لحظ التوحيد ، وليس هذا في الوشائج العامة فقط بل وفي أفراد المعاملات ، قال صلى الله عليه وسلم : ( مَن أعطى لله ومنع لله وأحبّ لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل الإيمان )(3)

فالتوحيد هو نظام حياة المؤمن عطاؤه توحيد ، ومنعه توحيد ، وحبّه توحيد ، وبغضه توحيد ، ونكاحه توحيد ، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الدلالة على أنّ كل حركة في حياة المسلم توحيد في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين ) (4)

ولمّا قال له عمر رضي الله عنه : يا رسول الله لأنت أحبّ إلي من كل شيء إلاّ من نفسي " قال له صلى الله عليه وسلم : " لا والذي نفسي بيده حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك " فقال عمر رضي الله عنه : " فإنّه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الآن يا عمر " (5)

ولا معنى لحبّه صلى الله عليه وسلم إلاّ متابعته على هديه وسُنَّتِه حذو القدة بالقدة وهذا هو التوحيد فلم يكن منه صلى الله عليه وسلم إلاّ التوحيد ، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عمّن لم يقدم ذلك على أخصاء الخلق به ثم عمومهم ، بل وأقسم على تقديمه على النفس ، ففي هذا قطع العلائق حتى مع النفس إلاّ لله وحده ، وهذا أدل شيء على أنّ التوحيد هو قضية الوجود ، وهذا تأكّد في القرآن في مواضع منها قوله سبحانه : ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )

وأعظم ما أمر الله بقطع العلائق به : الشِّرْك وأهله ، وقد جعل الله البراءة من المشركين صنو التوحيد ، فقال : ( قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) وقد جعل الله إبراهيم عليه السلام قدوة في البراءة من الشِّرْك وأهله فقال : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) ، فهذه لبراءة صارمة من المشركين وشركهم ومعبوداتهم من دون الله ، وصورتها : الكفر بذلك كلّه أي بالمشركين وبالشِّرْك الواقع منهم وبالمعبودات التي أشركوها مع الله ، وتمكن العداوة الظاهرة بالهجران والمجاهدة والبغضاء الباطنة بسخط القلوب وبغضها ، وهذه البراءة دائمة في الحياة ما دام حال المشركين على الشِّرْك حتى يرجعوا إلى التوحيد .

وقد ضرب الله لعباده أمثلة ناصعة لتوثيق الصلة بالله بتوحيده وبالبراءة من الخارجين عن التوحيد ، فهذا نوح عليه السلام يقول الله له في ابنه الذي هو ابنه من صلبه : ( لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده لأنّ قرابة التوحيد أقوى من قرابة النّسب ، وعلّل هذا النّفي بأنّه عمل عملا غير صالح وهو الكفر والتّكذيب (6)، قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لو كان من أهلك لنجّيته لك كما أنجيتك ولكنّه عمل غير صالح " (7)وفسر رضي الله عنه ( عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) بقوله : " خالفه في العمل والنيّة "(8)

فأهل التوحيد هم أهل الموحد ، وأهل الشِّرْك ليسوا أهلا له وإن كانوا قرابته . وهذا إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه الذي هو أبوه ، قال الله في ذلك : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم قاتلوا يوم بدر وأحد وغيرهما آباءهم وأبناءهم وقرابتهم فمنهم من قتل أباه ومنهم من قتل أخاه ومنهم من قتل خاله (9) فأنزل الله فيهم : ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، فجعلهم الله حزبه وأخبر برضاه عنهم وما أعده لهم من التأييد في الدنيا والنعيم في الآخرة . فما أدل ذلك لكون التوحيد قضية الوجود !! . وقضى سبحانه ألا ولاية من مؤمن إلا لمؤمن : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وقال : لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ) وقال : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ )

فانظر في هذه الآية كيف دلت لعنوان المطلب وتأمل في خبره سبحانه أنّه إن لم تقم العلاقات بين الخلق على أساس الموالاة في التّوحيد والمعاداة فيه فسيحصل من الشرّ والفساد الكثير ممّا يجمعه عدم التوحيد أو عدم وقوع كثير من أفراده وما يجر ذلك من سخط الله وعقوباته . وكما أنّ التّوحيد أصل فروعه الطّاعات ، فإن صنوه " البراءة من المشركين " أصل فروعه البراءة من كل شيء لم يكن لله أو في الله ، ومَن حقّق هذه الصلة بالله حصل ثمراتها الجليلة الهنيئة ، وهي ثمرات دلّت عليها النصوص ومنها : - أنّه يجد حلاوة الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبّه إلاّ لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقْذَف في النار)(10)

- أنّ مَن أقبل على التّوحيد يحصل فرائضه ويستزيد من نوافله تسلم حركته في الحياة من كل سوء فلا يكون منه إلا خيرا لنفسه ولغيره ، ففي الحديث القدسي : ( ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنّه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)(11)

- أنّ الموحّد يحصل ولاية الله ، ويكون وليا لله ، فإن الله قد أعلن الحرب على من عاداه كما جاء في أول الحديث السابق (مَن عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)(12) .

- أنّ الموحّد يحصل بتوحيده حبّ الله إيّاه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل : إنّ الله تعالى يحب فلانا فأحببه فيحبّه جبريل ، فينادي في أهل السماء : إنّ الله يحب فلانا فأحبّوه ، فيحبّه أهل السماء ثم يُوضَع له القبول في الأرض ) (13)وزاد في رواية : ( وإذا أبغض عبدا دعا جبريل : إنّي أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء : ( إنّ الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضه أهل السماء ثم تُوضَع له البغضاء في الأرض)(14)

فانظر إلى قوله : يُوضَع له القبول في الأرض (15). وقوله : تُوضَع له البغضاء في الأرض(16) ، الأول في أهل محبّته والثاني في الآخرين ، وقوله : " في الأرض " دال لما ذكرنا من أنّ التّوحيد قضية الوجود .

ثم إنّ التوحيد مطلوب من العبد عمره كله حتى الموت ، قال الله : ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وقال سبحانه : ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال سبحانه : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )

وفي كون التوحيد واجبا على كل عبد عمره كلّه يعود بسلوكه فيه على نفسه وعلى علاقته بكل ما حوله ظهور وجه من وجوه كونه قضية الوجود .

وجماع القول في بيان كون التوحيد قضية الوجود في قوله سبحانه يحكي قول إبراهيم لقومه : ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )

فأهل التوحيد هم أهل الأمن والإهتداء في الدنيا والآخرة لأنّهم أهل ولاية الله ، وأهل الشِّرْك هم أهل الخوف والضلال في الدنيا والآخرة لأنّهم أهل عداوة الله .

هذا هو التوحيد ، قضية الوجود ، له أرسل الله رسله ، وفيه وقعت الخصومة بين الرُّسُل وأممهم ، وفيه أبيد قوم نوح وعاد وثمود وآل فرعون ، وقرون آخرون ، ونصر نوح وهود وصالح وموسى وأنبياء الله والموحّدون معهم ،

فأيّ أهميّة أعلى منه ؟! .

------------------------------------------------

(1) أخرجه مسلم 4/2289 حديث رقم 2985.

(2)أخرجه أحمد 30/448 حديث رقم 8524، والطيالسي ص: 101 حديث رقم 847 ، وابن أبي شيبة 11/41 رقم 10/469 ، والبيهقي في الشعب 1/46 رقم 14، وانظر الصحيحة للألباني رقم 1728.

(3)أخرجه أحمد24/383 رقم 15617 وص 399 رقم 5638 ، والترمذي 4/578 رقم 2521 ، وأبويعلى 2/177 رقم 1483 وص 182 رقم 1498 ، وأبوداود 4/220 رقم 4681 ، والحاكم 2/164 ، وانظر الصحيحة رقم 380.

(4)متفق عليه ، البخاري مع الفتح 1/58 رقم 15 ، ومسلم 1/67 رقم 44.

(5) أخرجه اابخاري ، البخاري مع الفتح 11/523 رقم 6632.

(6)انظر تفسير القرطبي 9/46.

(7)تفسير أبي حاتم 6/2039 رقم 10925 ،و 10927.

(8)تفسير أبي حاتم 6/2039 رقم 10925 ،و 10927.

(9)انظر زاد المسير 8/198.


(10) متفق عليه ، البخاري مع الفتح 1/60 رقم 16 ، ومسلم 1/66 رقم 43.

(11) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح 11/340 -341 رقم 6502.

(12)صحيح البخاري الرِّقَاقِ (6502) ،الرقاق (6502)

(13)متفق عليه ، البخاري مع الفتح 13/461 رقم 7485 ، ومسلم 4/2030 رقم 2637.

(14)أخرجها مسلم 4/2030 رقم 2637.

(15)صحيح البخاري: بَدْءِ الخَلْقِ (3209)، بدء الخلق (3209) ، صحيح مسلم: البرّ والصّلة والآداب (2637)، البر والصلة والآداب (2637)، سنن الترمذي : تَفْسِيرِ القُرْآنِ (3161)، تفسير القرآن (3161)، مسند أحمد (2/413)، باقي مسند المكثرين (2/413) ، موطأ مالك الجَامِعِ (1778)، الجامع (1778).

(16) صحيح البخاري: بَدْءِ الخَلْقِ (3209) بدء الخلق (3209) ، صحيح مسلم: البرّ والصّلة والآداب (2637)، البر والصلة والآداب (2637)، سنن الترمذي : تَفْسِيرِ القُرْآنِ (3161)، تفسير القرآن (3161)، مسند أحمد (2/413)، باقي مسند المكثرين (2/413)، بَاقِي مُسْنَدِ المُكْثِرِينَ (2/514) ، موطأ مالك الجَامِعِ (1778)، الجامع (1778).


المصادر:

مجلة البحوث الإسلامية

تصفح برقم المجلد > العدد السابع والثمانون - الإصدار : من ربيع الأول إلى جمادى الآخرة لسنة 1430 هـ > البحوث > أهمية دراسة التوحيد > المبحث الأول أهمية التوحيد في ذاته > المطلب الثالث كون التوحيد قضية الوجود

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 128)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 129)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 130)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 131)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 132)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 133)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 134)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 135)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 136).




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الثلاثاء مايو 10, 2016 8:54 pm



المبحث الثاني : ضرورة الخلق إلى التوحيد

الخلق في ضرورة إلى التوحيد لا تستقيم حياتهم إلاّ به ، ومن كانت ضرورته لشيء تعلقت حاجته به فإنّه يهتم له وبه أعلى الاهتمام ، فليس أهم ممّا تضطرّ إليه حياتك ؛ ولذا فإنّ العلم بالضروري والبحث فيه وتقليب النظر فيه من مهمّات حياتك بل من ضروراتها ؛ ولذا فإنّ دراسة التوحيد ضرورة للعبد لضرورته إلى التوحيد . وهذان مطلبان معقودان لبيان وجه ضرورة الخلق إلى التوحيد .

المطلب الأول : فطريّة التّألّه :

المقصود بـالتّألّه : التّديّن لإله بتعلّق القلب وتوجّهه إليه حبا ورجاء وخوفا ، والتّألّه هو الغذاء الفطري الغريزي للروح ترجو به السكينة والطمأنينة وتطلب اللذة والسعادة ، ذلك أنّ العبد مخلوق محدث لم يحدث نفسه ولم يحدث من غير شيء ، فهو في أصله ليس فيه القدرة على إيجاد نفسه ، وهو أيضا لا قدرة له أن يستقل بإحداث شيء لنفسه بعد وجوده ، فلا قدرة له على إيجاد هواء ولا ماء ولا غذاء ولا نحوه ممّا يقوم به جنسه ، ولا قدرة له على إيجاد حجارة ونحوها مما يحتاجه لمأواه ، ولا قدرة له على إيجاد دابّة له ونحوها ممّا يحتاجه لمركبه ، وهو أيضا لا يملك علما بِغَدِه ولا قدرة له لإحداث غد ولا قدرة مستقلّة لإجراء مقادير غده ، وهكذا فهو في حاجة دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة لمن يوجده ويدبّره ، وهذا ضعف بيّن فيه ، وهذا يجعله قلقا مضطربا مهموما منهمكا ، وإنّما يسكن ويهدأ ويهنأ ويتقوّى من ضعف باللجوء إلى موجده ومدبّره والتّعلّق به ، والروح غذاؤها فيما يقوّيها ، ولذلك كان التأله فطرة الخلق لا تنفك عنهم أبدا ، فإن سلمت فطرته رشد تألهه فتدين للإله الحق ، وإن مرضت فطرته ضلّ تألهه فتدين لمن يظن فيه قوته ويغتر بنفع يظنه يأتيه منه .

والعبد لا ينفك من العبودية ، إن لم يعبد الله عبد غيره ولا بدّ ، يقول ابن تيمية رحمه الله : " وكل مَن استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره ، فإنّ الإنسان حسّاس يتحرّك بالإرادة ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أصدق الأسماء : حارث وهمام ) (1) ، فـالحارث : الكاسب الفاعل ، والهمام : فعال من الهم ، والهمّ أول الإرادة ، فالإنسان له إرادة دائما وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه ، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبّه وإرادته ، فَمَنْ لم يكن الله معبوده ومنتهى حبّه وإرادته ، بل استكبر عن ذلك ، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب : إمّا المال وإمّا الجاه وإمّا الصور وإمّا ما يتّخذه إلها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين أو من الملائكة والأنبياء الذين يتّخذهم أربابا أو غير ذلك ممّا عبد من دون الله ، وإذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا ، وكل مستكبر فهو مشرك ، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله وكان مشركا " قال : " وقد وصف فرعون بالشِّرْك في قوله : ( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) بل الاستقراء يدل على أنّه كلّما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله كان أعظم إشراكا بالله ، لأنّه كلّما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود : مقصود القلب بالقصد الأول فيكون مشركا بما استعبده من ذلك "(2)،

ويقول ابن القيم " إذا كان في القلب وجدان حلاوة الإيمان وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد وتأليهها ، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه ويتخذه إلهه ، وهذا من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر عليها عباده ، قال تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) أي نفس خلق الله لا تبديل له فلا يخلق الخلق إلاّ على الفطرة كما أن ّخلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع لا تبديل لنفس هذا الخلق ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسّون فيها من جدعاء ، حتى تكونوا أنتم تجدعونها ) (3) ، فالقلوب مفطورة على حبّ إلهها وفاطرها وتأليهه ، فصرف ذلك التّألّه والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها وردها إلى حالتها التي خلقت عليها ، فَمَنِ استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة ، ومَن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها "(4)

وفي كلامهما رحمهما الله بيان أمرين : الأوّل أنّ التّألّه فطري غريزي ، والثاني أنّ الله فطرهم على التّألّه له وحده سبحانه ، وقدّر سبحانه أنّهم قد تتغيّر فطرتهم في التّألّه لله ولكن لا تتغير فطرتهم في لزوم التّألّه ، فإذا غيّروا ما فطروا عليه من التّألّه لله تألّهوا لغيره ولا بدّ .

وفي الحديث الذي أورده ابن القيم رحمه الله ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا بيّنًا لفطرة الخلق على التّألّه لله وعلى تغيّر هذه الفطرة .

وقد قرّر الله عباده بما فطرهم عليه قال الله : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) فأقرّوا بذلك واعترفوا به لأنهم فطروا على العلم به فإن الله فطرهم على الحنيفية فكيف لا يعرفون ما قررهم به ويوافقون عليه ؟ فاجتمع بذلك الفطرة والميثاق .

-------------------------------------
(1)ليس هذا في الصحيح بل هو من حديث ضعيف بلفظ : (وأصدقها...)أخرجه أحمد 31/377 رقم 19032 ، وأوداود4/288 رقم 4950، وانظر ضعيف النسائي للألباني ص129 رقم233.
(2) العبودية لابن تيمية .
(3)متفق عليه ، البخاري مع الفتح (3/245) رقم 1385، ومسلم 4/2047 رقم2658.
(4)إغاثة اللهفان ص: 659 ، وانظر الفتاوى 10/134-135.

***

المصادر:

مجلة البحوث الإسلامية

المجلد العدد السابع والثمانون - الإصدار : من ربيع الأول إلى جمادى الآخرة لسنة 1430 هـ > البحوث > أهمية دراسة التوحيد > المبحث الثاني ضرورة الخلق إلى التوحيد > المطلب الأول فطرية التأله

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 137)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 138)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 139)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 140)

------------------------------------------------------------------

المطلب الثاني : ضرورة الخلق إلى التّألّه لله وحده

لمّا كان التّألّه فطرة غريزية في العباد ، وهم مفطورون بالتّألّه لله وحده ، وكانت هذه الفطرة قد تتغير فيتألّهون لغيره ، فإنّ مَن أظهر ما يدل على بطلان هذا التغيير وسوأته وأنه تغيير وخلاف ما عليه الأصل اضطرار العباد للتّألّه لله وتعلق حاجتهم بذلك تعلقا لازما لا فكاك له ، وهذه الضرورة أدل شيء على أهمية التوحيد وأهمية معرفته والعمل به والدعوة إليه وأهميّة دراسته .

وقد كتب ابن تيمية رحمه الله قاعدة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له فصل فيها وجوه ضرورة الخلق وشدة حاجتهم للتّألّه لله عز وجل وصل بها إلى تسعة وجوه شرح في كل منها معاني جليلة ظاهرة الدلالة ثابتة الحجة قوية البرهان في بيان سهل مقنع(1) وأخذ ذلك عنه تلميذه ابن القيم فذكره في شيء من التهذيب وجعلها عشرة أوجه (2)، ونذكر خلاصة لذلك لا تغني كثيرا عن الوقوف على أصلها في كلام الشيخين رحمهما الله فنقول : كل مخلوق سوى الله فقير محتاج إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ، ولا يتم ذلك إلا بمعرفته بما ينفعه والوسيلة إلى حصوله ، ومعرفته بما يضره والوسيلة إلى دفعه .

فهذه أربعة أمور ضرورية للعبد لا يقوم وجوده وصلاحه إلاّ بها : أمر مطلوب ينتفع به ووسيلة تدلّه عليه وتدفعه إليه ، وأمر مكروه يضرّه ، ووسيلة تدلّه عليه وتدفعه عنه ، وإرادة العبد وحركته متعلّقة بهذه الأمور لتعلّق وجوده وصلاحه بها ، وهو يتوجّه بحبّه ورجائه وخوفه إلى مصادرها ، فهو يحبّ جلب المنفعة ، ويرجو المعين على حصولها ، ويخاف منعه منها ، ويحبّ دفع المضرّة ، ويرجو المعين على دفعها ، ويخاف إيقاعها به ، وهو يتوجّه إلى مصادرها بلوازم المحبّة والرجاء والخوف ، فـيحب ويؤدّي لوازم المحبّة ، ويرجو ويؤدّي لوازم الرجاء ، ويخاف ويؤدي لوازم الخوف .

وإذا كان ذلك كذلك فقد تبيّن أنّ توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة هو المحقّق لحاجة الخلق وضرورتهم ، لأنّ الله هو الجامع لهذه الأمور الأربعة كلّها ، فهو خالق ما ينفع العبد وموجده ، وهو الذي يهديه إليه ويقدّر له جلبه والحصول عليه أو منعه ، وهو موجد ما يضرّه ، وهو الذي يهديه إلى العلم به ويقدّر له دفعه أو وقوعه ، فإذا نظرت إلى هذا علمت أنّ الله هو المستحق للتّوجّه إليه بالحب والخوف والرّجاء يطلب وجهه ويرجى رضاه ويخاف سخطه ، وإذا ضممت إلى هذا النظر في أنّ الله هو خالق العبد أوّلا قبل النظر في أنّه خالق نفعه وضره ، علمت أنّ العبد مفتقر إلى الله لذاته لا لأمر آخر جعله مفتقرا إليه ، بل فقره لازم له لا يمكن أن يكون غير مفتقر إليه ، كما أنّ غناء الربّ وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غني ، فهو غني بنفسه لا بوصف جعله غنيا ، وفقر العبد إلى الخالق وصف له لازم في حال عدمه ووجوده ، ففي حال عدمه فهو مفتقر إلى الخالق فلا يوجد إلاّ به سبحانه ، وما دام ذلك كذلك فالله هو الذي يجب أن يكون المطلوب المقصود لذاته ، ووجهه وقربه ورضاه هو المطلوب المحبوب ، وعبادته هي المعينة لحصول ذلك ، وعبودية ما سواه والالتفات إليه والتعلّق به هو المكروه الضار ، وعبادة الله هي المعينة على دفع هذا الضار المكروه ، وعبادته سبحانه هو الذي يعين عليها بدلالتي التوفيق والإرشاد ، ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله تعالى : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فإنّ العبودية تتضمّن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب .

ولكن الخلق إذا فسدت فطرهم يجتالهم عن إخلاص العبادة لله إلى صرفها أو شيء منها لسواه ما يباشرونه من نفع يحصلونه من السوى أو ضر يندفع عنهم بالسوى ، فيلتفتون إلى ما يباشرونه عن خالق النفع والضر وخالق أسباب حصولها أو اندفاعها ومقدر ذلك سبحانه . وعندئذ ينبغي على العبد أن ينتبه عند طلب حصول النفع أو الضر إلى أمور :

أولها : أنّ الله هو الذي يعلم ما يصلح العبد وما يضرّه ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) هو أعلم بذلك من علم العبد لنفسه ، ولا يعلم مخلوق ذلك إلا على سبيل الظن ، وهو قبل ذلك لا يعلم مصلحتك حتى يعرفّه الله إيّاها ، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدّره الله تعالى عليها ، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة فعاد الأمر كله لله سبحانه .

الثاني : أنّ الله هو النافع الضار والمخلوق ليس عنده نفع ولا ضرّ ، ولا عطاء ولا منع ، ولا عز ولا ذلّ ، بل الله وحده هو الذي له ملك ذلك ، وإذا وقع من المخلوق من نفع أو ضر فبإذن الله وخلقه .

الثالث : أنّه ليس هناك جهة تطمئن النفس بالتّوجّه إليها وتسكن إلاّ الله عز وجل الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، يده سحاء الليل والنهار الصمد السيّد سبحانه ، والمخلوق لا يدوم نفعه فهو في ذاته إلى عدم ، وينفع في حال دون حال ، وهو لا يقدر على النفع دائما ولا يقدر على كل نفع ، يأتي منه نفع في شيء ويعجز عن آخر ، أما الله فلا بد للعبد منه في كل حال وفي كل وقت وأينما كان فهو معه .

الرابع : أنّ الله غنيّ عن العبد فهو يحسن إليه لا لمنفعة ترجع إليه سبحانه ، ولا مع مضرّة عليه سبحانه ، ولكن رحمة وتفضّلا ، أمّا المخلوق فلا يحسن إلاّ لحظ نفسه ، ولا يقصد منفعتك بالقصد الأول ، بل إنّما يقصد منفعته بك ، فالخلق إنّما يحسن بعضهم لبعض لحاجتهم إلى ذلك وانتفاعهم عاجلا أو آجلا ، ولولا تصوّر ذلك النّفع لما أحسن أحد إلى أحد فهو في الحقيقة إنّما أراد الإحسان إلى نفسه وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى الوصول إلى نفع ذلك الإحسان إمّا بجزاء ومعاوضة أو حتى طلب الثناء والمدح والشكر ، أمّا الربّ سبحانه فكما قال : ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ) ، وقوله في الحديث القدسي : ( يا عبادي إنّكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضرّي فتضرّوني ، يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إيّاها فَمَنْ وجد خيرا فليحمد الله ومَن وجد غير ذلك فَلاَ يَلُومَنَّ إلاّ نفسه ) (3)،

فاتّضح ممّا تقدّم ضرورة العباد إلى توحيد الله سبحانه بل إنّ حاجتهم إلى ربّهم في توحيدهم إيّاه كحاجتهم إليه في خلقه لهم ورزقه إيّاهم بل أعظم ، وليعلم أنّ حاجة العباد إلى أن يوحّدوا الله لا نظير لها فتقاس عليه وأنّ العبد كلّما كان أتمّ توحيدا لله كان أقرب إليه وأكثر إعزازا وتعظيما لقدره ، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله ، أمّا المخلوق فكما قيل : احتج إلى مَن شئت تكن أسيره ، واستغن عمّن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى مَن شئت تكن أميره .

" فالربّ سبحانه : أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه ، وأفقر ما تكون إليه ، والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم ، لأنّهم كلّهم محتاجون في أنفسهم فهم لا يعلمون حوائجك ، ولا يهتدون إلى مصلحتك ، بل هم جهلة لمصالح أنفسهم ، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم ؟! فإنّهم لا يقدرون عليها ولا يريدون من جهة أنفسهم فلا علم ولا قدرة ولا إرادة ، والربّ يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلا وذلك صفته من جهة نفسه لا شيء آخر جعله مريدا راحما ، بل رحمته من لوازم نفسه فإنّه كتب على نفسه الرحمة ، ورحمته وسعت كل شيء ، والخلق كلّهم محتاجون لا يفعلون شيئا إلا لحاجتهم ومصلحتهم ، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة ، ولا ينبغي لهم ذلك ، لكن السّعيد منهم الذي يعمل لمصلحة التي هي مصلحة لا لما يظنّه مصلحته وليس كذلك "(4) ومصلحته التي هي مصلحته هي التوحيد وإخلاص الوجه لله ، فعليه أن يهتمّ به علما وعملا أعظم الاهتمام .

--------------------------------------------------------------
(1) انظر في الفتاوى 20/ 1-36
(2)انظر في إغاثة اللهفان ص: 40-63
(3)مسلم 4/1994 رقم 2577.
(4)الفتاوى 1 /39-40

****

المصادر:

مجلة البحوث الإسلامية

المجلد > العدد السابع والثمانون - الإصدار : من ربيع الأول إلى جمادى الآخرة لسنة 1430 هـ > البحوث > أهمية دراسة التوحيد > المبحث الثاني ضرورة الخلق إلى التوحيد > المطلب الثاني ضرورة الخلق إلى التأله لله وحده

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 141)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 142)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 143)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 144)/(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 145)




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الثلاثاء مايو 17, 2016 12:08 am




المبحث الثالث : شدّة حاجة المسلمين اليوم لدراسة التوحيد

المسلمون اليوم أشد ما يكونون حاجة إلى دراسة التوحيد لتحقيق صحة فهمه واستقامة السلوك عليه ، فإن الجهل بمفهوم التوحيد يضرب أطنابه في واقع المسلمين اليوم حتى أطل على انحرافات عظيمة تفارق التوحيد وتقدح في أصله وتقطع الصلة بين التوحيد وبين تطبيق المسلمين له ، وقد حلت بالمسلمين مشكلات عمتهم تطال قاصيهم ودانيهم ، سببها ما قلناه من الجهل بالتوحيد ، ولا حل لها إلا بالعودة إلى التوحيد الصحيح الحق ، والعصر اليوم بجميع أهله في أمس الحاجة إلى دلالته على التوحيد لله وقيادته به لحل معضلاته ، وليس هناك من يؤدي هذه المهمة إلا أهل التوحيد فهم الذين يدعون إليه ويدلون عليه ويحسنون القياد به . فهذه ثلاثة أمور تبرز بها شدة حاجة المسلمين لدراسة التوحيد بل وضرورة حياتهم وجماعتهم وبيضتهم إليه نفصلها في ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : الجهل الواقع بالتوحيد علما وعملا

لقد ركن كثير من عامة المسلمين في نواحي بلاد المسلمين في الإنتساب إلى التّوحيد إلى الإقرار بربوبية الله وأن يقولوا بألسنتهم " لا إله إلا الله " وأن يؤدّوا الشّعائر الظاهرة من صلاة وصيام وحج ، ثم توجّهوا بأخصّ خصائص العبودية لغير الله ، فشائع فيهم التّوجّه للصّالحين يدعونهم ويستغيثون بهم ويتوسّلون بجاههم ، فيقول أحدهم : يا سيدنا فلانا ، ومولاي فلانا خُذْ بيدي ، وكُنْ لي كذا وادْعُ الله لي بكذا ، وأنا في حماك ، وأنا بك وبالله ، وأنا دخيلك ، وينذرون لهم النُّذُور فيقول أحدهم : يا سيدي فلانا إن رزقني الله كذا أجعل لك كذا ، وإن تحقق كذا أو تحصلت على كذا أجعل لك كذا وأقدم لك كذا ، ويذبحون لهم في مواسم يجعلونها بأسمائهم من وقت إلى وقت إذا جاء وقت موسم الولي فلان ساقوا الذبائح من بقر وغنم إلى ضريحه أو مشهده أو قبته يذبحونها له عنده ، ويعكفون حول قبور الصالحين ، ويبيتون عندها ويقيمون الحفلات والحضرات وينقلون المرضى إليها يستشفعون بالأضرحة وينادون أصحابها ويستغيثون بهم ، ويتبرّكون بها وبالإقامة عندها الليلة والليلتين ويشدّون الرِحَال إليها لدفع النُّذُور وإقامة الحفلات ونحو ذلك(1).

وهذا كلّه من صريح الشِّرْك الناقض لأصل التوحيد ، وإن لم يكن شِرْكًا فليس في الدنيا شِرْكٌ ولا معنى للتوحيد يعرف به !! وهم يعضدون هذه الأفعال الشركية بشرك علمي قبيح فيقولون : " نحن إنّما نعتقد في الصالحين الأخيار أنّ الله جعل لهم النّفع والضرّ في هذه الدار وتلك الدار،(2) فهم يعطون أو يمنعون وبأيديهم مفاتح غيبه ، وتحت قبضتهم خزائن فضله ، ينزلون الأمطار متى شاؤوا ويُعَافُون مَن أحَبُّوا ويَبْتَلُون مَن أبغضوا ، ويهبون لمن أرادوا ذكورا أو إناثا أو يزوّجونهم ذكرانا وإناثا ويجعلون مَن غضبوا عليه عقيما " (3) ، ويحلف أحدهم بالله العظيم مائة يمين كاذبا عالما وتأخذه الرعدة وأشد الخوف والهلع من الحلف بسيده فلانٍ على كذبة فلا يحلف به إلا صادقا بارا بيمينه ، وإذا انقطعوا في المغاور أو ماج بهم البحر أو حل بهم ضر نادوا : يا سيدي فلانا أنقذنا أو أدركنا أو أغثنا أو ادفع عنا .

وكل هذا هو صريح الشِّرْك الأكبر المضاد للتوحيد ، وهو الذي بعثت الرسل لردع أممهم عنه ، إذ كان هو حال أهل الجاهلية الجهلاء ، بل إن حال هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام والتّوحيد أردى ، فإنّهم لا يخلصون العبادة لله بحال أبدا لا في رخاء ولا شدّة ، أمّا أهل الجاهلية فكانوا كما شهد الله لهم يخلصون العبادة لله وحده إخلاصا تاما في حال الشدة فلا يتوجهون إلا إليه قال الله : ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ )، وقال سبحانه : ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ،ومع كون حال هؤلاء المنتسبين إلى التوحيد على حال أهل الجاهلية سواء بسواء بل وأسوأ إلا أنّهم يتبرّؤون بألسنتهم من الشِّرْك وأهله ، ويدعون التوحيد جازمين جزما عنيدا ، ويزعمون أنّهم لم يعبدوا إلاّ الله ، ولم يتّخذوا معه آلهة كأولئك المشركين ، فإنّهم يقولون : لا إله إلا الله ، وأولئك لا يقولونها ، وأولئك يعتقدون في الجمادات ويتّخذون الأصنام ، ونحن لا نتوجّه إلى صنم ولم نتّخذ أصناما ، ونحن نوحّد الله في خلقه وإيجاده ، وأولئك يجعلون غير الله يماثله في الخلق في الإيجاد ، فهؤلاء إنّما أغرقهم في الشِّرْك جهلهم بحقيقة التوحيد ومعناه ، فهم أحوج ما يكونون لدراسة التّوحيد والعلم بحقيقته ، أحوج ما يكونون لأن يعلموا أنّ التوحيد هو إفراد الله بالعبادة وأنّ إفراده بالرّبوبية ليس هو التوحيد الذي أرسل الله رسله به ولم يقبله من المشركين حتّى يضمّوا إليه لازمه من إفراده بالعبادة ، فهو غير كاف في حصول الإسلام وتحقّق التّوحيد ، وهم أحوج ما يكونون إلى العلم بأنّ قول لا إله إلا الله باللسان ليس هو كل القول المطلوب من العبد ، فإنّ القول المطلوب من العبد هو قول اللسان والقلب والجوارح ، وهكذا القول إذا أطلق فإنّ المراد به قول القلب واللسان والجوارح ، فإذا أريد قول اللسان فقط قيّد ولم يطلق كما قال الله : ( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) ، فلمّا كان قولهم قول لسان فقط قيّده به ونفى عنه ما يدخل فيه لو أطلق ، وأن يعلموا أنّ لـ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ حقوقا واجبة مشروطة لصحّتها ، مقرّرة في كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم لا تُقبل إلاّ بها وليس لقول لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ معنى بدونها ، وأن يعلموا أنّه لهذا أبى المشركون أن يقولوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ لأنّهم علموا أنّ قولها ينقض عليهم ما هم فيه ويوجب في رقابهم البراءة منه والإقلاع عنه والتّوجّه بأجمع قلوبهم وأركانهم إلى الله وحده ، والخلوص من الشِّرْك ، وهم أحوج مايكونون لأن يعلموا أنّه لا فرق بين حجر ولا شجر ولا بشر في وقوع الشِرْك بصرف العبادة إليه من دون الله ، فالجهة المستحقّة للعبادة هي الله وحده بلا جنس شركة مع غيره قليلة كانت أو كثيرة ، فالعبادة حقّه لا يستحقّها إلاّ هو ، ويتساوى كل شيء غيره في عدم استحقاق العبادة أو شيء منها وإن تفاوتت أجناسه وأنواعه وصفاته ، وأن يعلموا أنّ أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأحجار والأشجار والجن والإنس والملائكة والشمس والقمر فلم يصحّح الله ورسوله عبادة نوع دون نوع ، وهم أحوج ما يكونون لأن يعلموا أنّه لا فرق بين العبادات في وجوب إخلاصها لله فلا تصرف لغيره فكما أنّه لا تكون الصلاة إلاّ إليه ولا يكون الصيام إلاّ له ولا يكون الحج إلاّ له فكذلك لا يكون الدعاء إلاّ له ولا الذبح إلاّ له ولا النّذر إلاّ له ، وأن يعلموا أنّ أهل الجاهلية كانوا يؤدّون من الشعائر الظاهرة ما يخلصونه لله ، فقد كانوا يؤدّون الحج لله ، يشدوّن له الرِحَال ويؤدون مناسكه التي بقيت من شرعة إبراهيم عليه السلام لله ، ويعظّمون البيت لله ، ومع هذا لم يقبل الله منهم ذلك مع شِرْكِهم به في العبادات الباقيات ، بل وأرسل إليهم الرسول ، وأنزل فيهم كلامه يعلن براءته منهم ويسجّل عليهم اسم الشِّرْك ووصفه وجنسه .

والذين يعتقدون التّوحيد على الوجه الذي وصفنا وبيّنا الحاجة معه إلى دراسة التوحيد تصحيح العلم به فريقان ، فريق متديّن بذلك يسلكه ويؤدّيه ، وفريق يعتقده ويظنّه هو التّوحيد والديانة ولكنّه معرض عنه يأنف منه يراه طقوسا بالية تليق بالعوام والبسطاء ولا تليق به ، وهؤلاء هم الموسومون بالمثقّفين ، وهؤلاء لمّا كانت نظرتهم إلى الأمر على هذا النحو ألحقوا حتى الفرائض الظّاهرة بالتَّرْك ، فهم لا يصلّون ولا يصومون ، ملحقين الصلاة والصوم بالأعمال الشركية التي يؤديها الناس جاعلين الباب واحدا ، فالجميع طقوس دينية يقبل عليها العامة والبسطاء ، وهؤلاء في حاجة أيضا إلى معرفة التوحيد ودراسته لتصحيح علمهم وعملهم .

وإذا تركت هذا الجانب المظلم من الجهل المطبق بالتّوحيد ، والتفت إلى ما عليه المسلمون في تطبيقهم للتوحيد في سلوكهم العام ، ظهرت لك جوانب عديدة يبدو فيها الجهل بمفهوم التّوحيد بيّنًا ظاهرا يعلن الحاجة الماسّة لدراسة التّوحيد ، يبدو لك التّطيّر ضاربا أوتاده يخيّم على سلوك الناس ، فهذا ينسب ضيق رزق يومه لتصبحه بكذا وكذا ، والآخر ينسب سعة رزق يومه لتصبحه بكذا وكذا ، وهذا يمضيه في شأنه رؤيته لكذا ، والآخر يرده عن شأنه رؤيته لكذا ، وهذا يتفاءل باللون الفلاني والعدد الفلاني واليوم الفلاني والشهر الفلاني ، والآخر يتشاءم من اللون الفلاني والعدد الفلاني واليوم الفلاني والشهر الفلاني ، ويبدو لك التعلق بالتمائم والأحراز ، والاعتقاد في القلائد والأساور والخواتم على أشكالها المعينة ، وألوانها المعينة ، ومواضع تقلدها ، ونحو ذلك من التفاصيل المدعاة لإشاعة التعلق بهذه العقائد واصطناع الهيبة لها .

ويبدو لك نسبة الأحداث إلى النجوم والطوالع والأبراج وقراءة المستقبل والمتوقّعات عليها ، ويبدو لك الإقبال على السحرة والمشعوذين والتّطبّب بطبّهم واللجوء إلى تدابيرهم لصيانة من مكروه أو دفعه أو طلبه لخصم أو نحو ذلك .

كل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( الطِيرَة شِرْك )(4) ويقول : ( إنّ الرُّقَى والتمائم والتولة شرك )(5)ويقول ": (مَن تعلّق شيئا وكل إليه)(6) ، ويقول : ( مَن اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد )(7) ، ومعلوم أنّ السحر كفر كما ورد في كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وروى صلى الله عليه وسلم عن ربّه أنّه قال : ( مَن قال مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب )(8) ، ويقول صلى الله عليه وسلم : ( مَن أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) (9) والتفت إلى جانب آخر في سلوك الناس ممّا يعلن بوجوب دراسة التّوحيد وإشاعة تعلمه وتعليمه للجهل الحاصل به ، وهو الجهل الواقع في التّوكّل على الله الذي هو الإستعانة التي جعلها الله قسيمة التّعبّد في قوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، كما يقول ابن القيم : " فإنّه لا يستقيم توكّل العبد حتى يصحّ له توحيده ، بل حقيقة التّوكّل : توحيد القلب ، فما دامت فيه علائق الشِّرْك فتوكّله معلول مدخول ، وعلى قدر تجريد التّوحيد تكون صحّة التّوكّل ، فإنّ العبد متى التفت إلى غير الله أخذ الإلتفات شعبة من شعب قلبه ، فنقص من توكّله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة " (10)

وفي سلوك كثير من الناس جهل ظاهر بمقتضى توحيد الله في التّوكّل عليه سبحانه ، فمن الناس مَن يتعلّق قلبه بالأسباب ، ويستفرغ لها توجّهه ، ويقيم عليها مقاصده ، حتى إذا حصل على مطلوبه أحال ذلك إلى الأسباب ، وإذا لم يحصل على المطلوب تسخط من قدر الله أو أحال ذلك إلى الحظ والبخت ، وهو في هذا كله مبتدئه ومنتهاه غافل عن الله وقدرته سبحانه وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته منصرف عن التّعبّد له والتّوجّه إليه سبحانه ، فهذا متوكّل على غير الله ،

ومن الناس مَن يتبع هواه وإخلاد نفسه إلى البطالة والكسل ، ويجمع قلبه ويستفرغ توجّهه إلى حصول مطلوبه بلا سعي ولا سبب فيفرط في أمر الله له بالسّعي والأخذ بالأسباب ويجعل عجزه وتفريطه تَوَكُّلاً ، فإذا حصل مقصوده اغترّ بعجزه وتفريطه فيما أمر به وظنّه توحيدا ، وإذا لم يحصل مقصوده تسخّط ، وربّما وصل به تسخّطه إلى الكفر بالله والعياذ بالله ، وقال : ها أنا توكّلت عليه ولم يحصل لي شيء .

وكلا الصنفين جاهل بحقيقة التّوحيد ، منقطع عنه ، أمّا الأول فلأنّه توجّه برجائه وقصده إلى غير الله إمّا إلى علم أو مال أو شخص أو جهة ، وأمّا الثاني فلأنّه ترك ما أمره الله به ولم يخضع لشرعه ويتعبّده بمراداته .

وجميع هذه المظاهر الشائعة في سلوك المسلمين الدالة على انفصام في سلوكهم عن معنى التّوحيد دالّة على شدّة حاجتهم إلى دراسة التوحيد وأهميّة ذلك .

_____________________________________________

(1)انظر رسالة الشرك ومظاهره لمبارك الميلي ، وعقيدة المؤمن للجزائري ، ففيهما شواهد كثيرة عرضت لما عليه الناس في البلاد الإسلامية من مثل هذه الأفعال .
(2) أي في حال حياتهم في الدنيا وبعد موتهم في قبورهم.
(3) الشرك ومظاهره ص: 107
(4)أخرجه أبوداود 4/17 رقم3910 ، وابن ماجة 2/1170 رقم 3538 ، والترمذي 4/138 رقم 1614 ، وأحمد 6/213 رقم 3687
(5)أخرجه أبوداود 4/9 رقم 3883 ، وابن ماجة 2/1167 رقم 3531 ،وأحمد 6/110 رقم 3615 ،والحاكم 2/216 ،217 ، و 4/417
(6)أخرجه الترمذي 4/352 رقم 2072 ، وأحمد 31/78 رقم 18781 ، والحاكم 216.
(7)أخرجه أبودادو 4/16 رقم 3905 ، وابن ماجة 2/1228 رقم 3726 ، وأحمد 3/454 رقم 2000 ، 5/41 رقم 2840
(8) متفق عليه ، البخاري مع الفتح 2/333 رقم 846 ، ومسلم 1/83 رقم 71
(9) أخرجه أحمد 15/331 رقم 9536 ، والحاكم 1/8
(10)مدارج السالكين 2/120

----------------------------------------------------
(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: من 146 إلى 54





عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الثلاثاء مايو 17, 2016 9:30 pm



المطلب الثاني : المشكلات العامة الحالة بالمسلمين

مرجع هذا المطلب والمطلب الذي يليه قول الله عز وجل : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ، فإنّ الله علّق الأمن والإهتداء بالتّوحيد الذي لم يختلط بالشِّرْك النّاقض لأصله أو المعاصي النّاقصة لكماله ، فَمَنْ كان منه الأول وهو الشِّرْك النّاقض لأصل التوحيد فلا أمن له ولا اهتداء ، ومَن سلم توحيده من الشِّرْك فله أصل الأمن والاهتداء ثم يكملان له ما كمل توحيده وينقص منهما ما ينقص من توحيده ، والأمن والاهتداء لفظان عامان تندرج فيهما معان عدة :

فمراد بهما الأمن في الدنيا وفي الآخرة والاهتداء في الدنيا وفي الآخرة ، ومراد بهما الأمن للجماعة وللأفراد والاهتداء للجماعة وللأفراد ، والأمن يكون في النفس والمال والعِرْض والعقل والدّين في الدنيا ، فأهل التّوحيد آمنة نفوسهم مطمئنّة ساكنة إلى ربّها واثقة به ، آمنة أرزاقهم طيّبة هانئة مريئة لا يذوقون لباس الجوع ، آمنة أعراضهم وعقولهم بحفظ الله لها بشرائعه ، أمن دينهم فهو من عند ربهم وفي طاعته وعلى الصراط المستقيم ، آمنون به من عذاب الله وعقوباته ، وفي الجملة فهم آمنون بحياة طيّبة يتحقّق بها وعد الله الذي وعدهم إيّاه ، فيقول : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

آمنون ممّا توعّد الله به في قوله : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) وهم آمنون في الآخرة لنجاتهم من عذاب الله وتحقّق تمام وعد الله في قوله في تمام آية النحل المذكورة : ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ، آمنون ممّا توعّد الله به في تمام آية طه المذكورة : ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) ،

والاهتداء في الدنيا لأهل التوحيد يهديهم الله صراطه المستقيم ، ويصوّر هذا الإهتداء كأحسن ما يكون التّصوير الحديث المتقدم ذكره في هذا البحث : ( لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ) (1)،

والاهتداء لهم في الآخرة يهديهم الله إلى غرفاتهم في الجنّة وإلى ما أعده لهم فيها من صنوف النعيم ، وأمن الأفراد أمن الجماعة إذ بصلاح الأفراد يصلح المجموع .

ومقصود هذا المطلب بيان حاجة جماعة المسلمين إلى التّوحيد لأنّهم أحوج ما يكونون اليوم إلى الأمن ، أن تأمن جماعتهم ممّا هو حال بهم من الضعف والعجز عن مقاومة العدو وتسلّط الكفّار عليهم بالقتل والجراح واحتلال ديارهم والتّسلّط على بعض مقدّساتهم وإلحاق أنواع الإيذاء بهم ، هذا حلّ بهم من خارجهم وهم أيضا أحوج ما يكونون إلى أن تأمن جماعتهم من الاختلاف والفرقة والتنافر والتباغض الواقع بينهم ، وهذا حل بهم من داخلهم ،

والأمن من هذه المشكلات العامّة لا يكون إلاّ بالتسليم لله بتوحيد خالص لا ظُلم يتلبّس به ، فبهذا يأمنون من تسلّط العدوّ ويدرؤون تعدّيه عليهم لأنّهم به ينالون ولاية الله ، وقد قال سبحانه كما في الحديث القدسي المتقدم ذكره في هذا البحث : ( مَن عادى لي وليا فقد آذَنْتُهُ بالحرب )(2)، وقد وعد سبحانه مَن صبر لطاعته واتّقاه بتوحيده ألاّ يضرّه كيد أعدائه وإن عظم فقال : ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ، وفي كتاب الله مثال يبيّن مقصودنا (3) ، فإنّ الله ذكر الحال التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يوم الأحزاب يوم حاصرهم المشركون ، قال سبحانه : ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ) ، وبيّن سبحانه العلاج الذي قابل به المسلمون هذه المشكلة العظيمة وحلّوها به فقال : ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ).

فـالإيمان الكامل والتّسليم لله ثقة به وتوكُّلا عليه هو حلّ هذه المشكلة وله كانت النتيجة لهذه المشكلة ما حكاه الله بقوله : ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ).

فـالإخلاص لله وتحقيق التّوحيد له سبحانه هو حلّ مشكلات المسلمين المذكورة كما كان علاجا وسببًا لحلّ مشكلة المسلمين يوم الأحزاب . وعلى نحو المثال السابق ورد قول الله عز وجل : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ، فكانت قوّة توحيدهم وإخلاصهم لله هي التي نفعتهم في هذه المشكلة العظيمة إذا قد جمع الناس لهم وجاءهم من يخوفهم ويثبّطهم وكانت النتيجة أن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء .

فظهر بهذا أنّ حلّ مشكلات المسلمين الحالّة بهم اليوم من خارجهم إنّما تكون بإقامتهم التوحيد تامًا صحيحًا لله وحده بذلك يكفيهم الله عدوّهم ومشكلاتهم وينقلبوا بنعمة من الله وفضل ، وأمّا مشكلاتهم الحالّة بهم من داخلهم فلا حلّ لها إلاّ بالإجتماع على توحيد الله وإقامة الوجه له والإعتصام بملّته على الوجه الصّحيح المستقيم ، يقول ربنا جل وعلا في ذلك : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، جاءت هذه الآية في ختام الوصايا العشر التي ابتدأها سبحانه بقوله : ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) ، وقال سبحانه آمرا عباده المؤمنين : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ) أي بدينه وتوحيده الذي بعث به رسوله ، فظهر أنّ الإلتزام بالتّوحيد الصّحيح المستقيم والاجتماع عليه وإقامة الوجه لله والتسليم له سبحانه هو العلاج النّاجع لكل المشكلات التي يعانيها المسلمون اليوم ، فبإتمامهم التوحيد لله وتحقيقهم له على الوجه المستقيم ينالون تمام ولاية الله وينقلبون بأمن واهتداء يسلمون بهما من كل مشكلة ، فحاجتهم إلى التوحيد عظيمة فليدرسوه ويشتغلوا في تعلمه وتعليمه .

----------------------------------------------------
(1)صحيح البخاري الرِّقَاق (6502) ، الرقاق (6502).
(2)صحيح البخاري الرِّقَاق (6502) ، الرقاق (6502).
(3)هذا المثال نبّه إليه الشيخ محمد الأمين في أضواء البيان (3/412)

مجلة البحوث الإسلامية

العدد السابع والثمانون - الإصدار : من ربيع الأول إلى جمادى الآخرة لسنة 1430 هـ

(الجزء رقم : 87، الصفحة رقم: 155 إلى 159)




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة دراسة التّوحيد

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الجمعة مايو 20, 2016 9:42 pm




المطلب الثالث : حاجة العصر إلى التزام المسلمين بالتوحيد الحق علما وعملا .

يشهد العصر تقدما عظيما في التقنيات المادية والمخترعات الصناعية حتى غدا العالم بسبب ذلك كالقرية الواحدة الصغيرة التي يعرف أهلها بعضهم بعضا لسهولة التواصل بينهم ويعرف بعضهم أحوال بعض وسائر أخباره وشأنه ، لا يخفى في هذه القرية شيء ، فدول العالم أصبحت كالبيوت في هذه القرية ، وشعوبها كالأسر والقبائل في هذه البيوت (1)وكان من شأن هذا أن يوجد بين دول العالم من الأمن والتعاون والتحاب ما يكون بين أهل القرية الواحدة الصغيرة ، ولكن الواقع بخلاف ذلك ، فالضغائن وتوجّس الدول بعضها من بعض دفع إلى تنافس لاهث بينها إلى حيازة الأسلحة القاتلة الفتاكة والتسابق إلى اختراع السلاح الأقوى تدميرا والأعلى فعالية والأسرع فتكا ، وأصبح الأمن هاجسا صعب المنال ، ليس ثمة طمأنينة ولا سكون بل حذر وترقب ، اليد على الزناد ، والنظر شاخص يمنة وشمالا ، والكل يستعد لحرب عامة تدمر في أيام بل ساعات ، هذا حال الدول والجماعات ، أما الأفراد فالحال ذات الحال ، فإن المخترعات التي تيسرت للفرد لم تبث في نفسه أمنا ولم تلبس قلبه سعادة بل أغرته بالإسراف في الرذائل والجرأة على الجرائم والافتتان بالشهوات حتى ألف قطع الوشائج الإنسانية ونقض المواثيق الروحية ، فغرق في القلق والفراغ الروحي حتى وجد الأمن في أن ينتحر ، وكم نقلت الأخبار عن نسب عالية مطردة في ارتفاعها لعدد المنتحرين في نواحي العالم . ولا علاج لهذا الواقع المرير إلا بالتوحيد الذي أخبر الله سبحانه أنّه علّق الأمن والاهتداء عليه وبه – كما تقدم بيانه في المطلب السابق – ولو أن العالم عرف هذه الحقيقة واتضحت له بينة جلية بلا شبهة لاتّخذ التوحيد ضالّته المنشودة يسعى إليه بكل قواه ، فالعالم في حاجة ماسة إلى دلالته إلى التوحيد وقيادته به ، وليس ثمة من يؤدي هذه المهمة إلا المسلمين إذ هم أهل التوحيد وهو في عهدتهم ، تحمل ذمتهم مهمة تبليغه وقيادة الخلق به ، ولكن حال المسلمين على الأمر الذي ذكرنا في المطلب السابق فهم أنفسهم في حاجة إلى فهم صحيح مستقيم للتوحيد وتطبيق صحيح مستقيم له ، بل إن سوء حال المسلمين هو أهم الحجب المائعة من تنبه العالم إلى أن حلول أزماته في التوحيد لله رب العالمين ، وإن سوء حالهم واستحواذ الجهل بحقيقة التوحيد عليهم صار حجة لمخالفيهم في عدم صلاحية دينهم فظهر بهذا شدة حاجة العصر إلى التزام المسلمين بالتوحيد الصحيح المستقيم علما وعملا ليمكن منهم نقل خير هذا إلى العالم وحل سائر معضلاته ، وما دام الأمر كذلك فحاجة المسلمين إلى دراسة التوحيد وشدة العناية به تعلما وتعليما متأكدة .

فأين يذهب المطالبون بتمييع دراسة التوحيد وأصول الملة وتهميش شأنها وجعلها في حشو المقررات الدراسية ؟!! وفي خاتمة هذا أنبه إلى أنه قد يعبر البعض عن حاجة العصر إلى التوحيد بحاجته إلى الإسلام ، فأقول : نعم ، ولكن إلى الإسلام الصرف الذي لا يلتبس بظلم الشرك والبدع المردودة ، لا مجرد الإسلام الذي ضد الكفر فإننا قد بينا أن حال غالب أهله في حاجة إلى فهم الإسلام الصرف وتعلمه ، في حاجة إلى التوحيد الذي هو أصل الإسلام ومعناه ومراده ، والذي هو الحجة على من عمل بشرائع الإسلام وقارف نواقضه ، كما أنه الحجة على من فهمه ولم يعمل بشرائع الإسلام ، فلا إسلام بلا توحيد ، والحمد لله وحده لا شريك له .
وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده .

----------------------------

(1) انظر الوحي المحمدي 19

(الجزء رقم : 87، الصفحة من رقم: 160 إلى 162 )

مجلة البحوث الإسلامية

المملكة العربية السعودية



http://www.alifta.net/Fatawa/fatawaDetails.aspx?View=Page&PageID=12572&PageNo=1&BookID=2&languagename=




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى