منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في السبت يونيو 25, 2016 2:32 pm




[color=#990000]




مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ

شرح: التّجريد الصريح – كتاب الإيمان (21)

الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير وفّقه الله .





( مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )


توقفنا عند قول المصنف -رحمه الله-:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

في الباب الذي يلي الباب الذي يليه قال: وعنه أيضاً -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)).

وعنه أيضاً -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

هذه الأحاديث الثلاثة في قيام رمضان، وفي قيام ليلة القدرة
، وقيام رمضان وصيامه كلّها عن أبي هريرة يجمعها أنّها في ظرف واحد، وهو في شهر الصيام والقيام شهر رمضان، وهي أيضاً سيقت في بعض المواضع مساقاً واحداً، فكأنها حديث واحد، قطعها الإمام البخاري في مواضع ثلاثة، حسب ما يستنبط منها -رحمه الله تعالى-.

وأبو هريرة راوي الأحاديث الثلاثة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، سبقت ترجمته.

والحديث ترجم عليه الإمام -رحمه الله تعالى- بقوله: باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، ترجم على الجملة الأولى منه بقوله: باب قيام ليلة القدر من الإيمان، وترجم على الجملة الثانية بقوله: باب تطوّع قيام رمضان من الإيمان، وعلى الجملة الثالثة: باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان.

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- لما بين الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- علامات النّفاق وقبحها رجع إلى ذكر علامات الإيمان وحسنها؛ لأنّ الكلام على متعلقات الإيمان هو المقصود بالأصالة، وإنّما يذكر متعلقات غيره استطراداً، ثم رجع فذكر أن قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيام رمضان من الإيمان، وأورد الثلاثة من حديث أبي هريرة متحدات الباعث والجزاء، وعبر في ليلة القدر بالمضارع في الشرط، وبالماضي في جوابه، بخلاف الآخرين فبالماضي فيهما" يعني قال في باب قيام ليلة القدر من الإيمان ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ )) (مَنْ يَقُم) في المضارع ((ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له)) وقال في الموضع الثاني: ((مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له)) في الموضع الثالث: ((مَنْ صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له)).

وعبّر في ليلة القدر بالمضارع في الشّرط، وبالماضي في جوابه، بخلاف الآخرين فبالماضي فيهما.

قال الكرماني: فإن قلت: لم قال: مَنْ يَقُم بلفظ المضارع، وقال فيما بعده: مَنْ قام رمضان ومَنْ صام رمضان بالماضي؟ قلت: لأنّ قيام رمضان وصيامه محقّق الوقوع، يعني لأنّه معروف الوقت هذا بالنّهار وهذا بالليل، فجاء بلفظ يدل عليه، بخلاف قيام ليلة القدر، فإنّه غير متيقّن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل كذا قال، لكن مَنْ قام الليالي، ليالي العشر بهذا القيد إيماناً واحتساباً جزم بأنّه أدرك ليلة القدر على ما سيأتي؛ لأنّها في العشر الأواخر، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.

يقول: فإن قلت: فما بال الجزاء لم يطابق الشرط في الاذإستقبال مع أنّ المغفرة في زمن الإستقبال؟ ما قال: مَنْ يَقُم ليلة القدر إيماناً واحتساباً يُغْفَر له، قلت: إشعاراً بأنّه متيقّن الوقوع، متحقّق الثّبوت، فضلاً من الله تعالى على عباده، فهو نظير قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ} [(1) سورة النحل].

((مَنْ يَقُم)) (مَنْ) اسم شرط، و(يقم) جملة من الفعل والفاعل فعل الشرط، وليلة القدر سميت بذلك لأنها ذات قدر عند الله -عز وجل-؛ لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو لأن الذي يحييها يصير ذا قدر، وقدم النووي في شرحه أنها سميت بذلك لما يقدر فيها، ويكتب فيها من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة، كما قال -جل وعلا-: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [(4) سورة الدخان].

وجاء في فضلها مع حديث الباب نصوص كثيرة، بل جاء في فضلها سورة كاملة، كما قال -جل وعلا-: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر(1- 5)]

وقيامها يكون بالصلاة والذكر والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن، وغير ذلك من وجوه الخير، وقد دلت السورة الكريمة على أنّ العمل في هذه الليلة خير من ألف شهر ممّا سواها، وهذا فضل عظيم، ورحمة من الله -جل وعلا- بعباده المؤمنين، فجدير بالمسلمين أن يعظّموها، وأن يحرصوا على إحيائها، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتارها أرجى من غيرها، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)) وقال: ((مَنْ كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في السّبع الأواخر)) وغير ذلك من النصوص التي تدل على أنّ هذه الليلة العظيمة تنقل في العشر وليست في ليلة معيّنة منها دائماً، فقد تكون في سنة في إحدى وعشرين، وفي أخرى في ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين، وقد تكون في ليلة تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع؛ لأن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((التمسوها في سابعة تبقى)) يحتمل أن تكون في الشفع، وتكون في الوتر، تبعاً لتمام الشهر ونقصانه.

فَمَنْ قام ليالي العشر كلّها إيماناً واحتساباً أدرك هذه اللّيلة بلا شك، وفاز بما وعد الله أهلها، وقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يخص هذه الليالي أعني ليالي العشر بمزيد اجتهاد لا يفعله في العشرين الأول، قالت عائشة -رضي الله عنها- كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها، وقالت: كان إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره، إلى غير ذلك من النصوص.

واختلف العلماء في أنه هل يلزم العلم بها أو لا يلزم؟ يعني لثبوت الأجر المرتب على قيامها، والصواب أن من قامها نال أجرها ولو لم يعلم بها، وقول من قال: إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها قول ضعيف؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً)) ولم يقل: عالماً بها، ولو كان العلم شرطاً لحصول الثّواب لَبَيَّنَهُ النبي -عليه الصلاة والسلام-.

هذا وقد ذكر العلماء علامات تعرف بها ليلة القدر، فمنها زيادة النّور فيها، ومنها أيضاً طمأنينة القلب وانشراح الصّدر، فالمؤمن يجد من انشراح الصّدر وطمأنينة القلب في تلك اللّيلة أكثر ممّا يجده في بقيّة الليالي، ومن ذلك أنّ الرّياح تكون فيها ساكنة، فلا تأتي فيها رياح، بل يكون الجو هادئاً، فقد أخرج ابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنّي كنت رأيت ليلة القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر، وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأنّ فيها قمراً يفضح كواكبها، ولا يخرج شيطانها حتّى يخرج فجرها)) الحديث مخرج في ابن خزيمة وابن حبان.

وأخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنّ أمارة ليلة القدر أنّها صافية بلجة، كأنّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتّى تصبح)) قال الهيثمي: رجاله ثقات، قلت: وهو مع سابقه، أعني حديث جابر صحيح لغيره.

وفي النهاية لابن الأثير: ((ليلة القدر بلجة)) أي مشرقة.

ومن علاماتها أنّ الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، ففي صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها.

وفي المسند من حديث عبادة مرفوعاً، وفيه: ((وأنّ أمارتها أنّ الشّمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ)).

فينبغي للمسلم أن يعتني ويغتنم هذه الليلة فيكثر من الأدعية المأثورة، كقوله: اللّهمّ إنّك عفو تحبّ العفو فَاعْفُ عنّي؛ لحديث عائشة -رضي الله عنه- قالت: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول فيها؟ قال: ((قولي:اللّهمّ إنّك عفو تحبّ العفو فَاعْفُ عنّي)) خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وغير ذلك من الأدعية الجوامع الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وينبغي أن يجتنب الأدعية المتكلّفة والمسجوعة وما فيه إثم أو قطيعة رحم.

في شرح الكرماني: فإن قلت: لفظ ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ)) هل يقتضي قيام تمام الليلة أو يكفي أقل ما ينطبق عليه اسم القيام فيها؟ قلت: يكفي الأقل، وعليه بعض الأئمة، لكن الظاهر منه عرفاً أنّه لا يقال: قام اللّيلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها، إذا قيل: قام اللّيلة، قام ليلة كذا، قام ليلة السبت، ليلة الخميس، معناه أنّه قام كلّها، هذا الأصل، هذا ظاهر اللّفظ،

كما أنّه أيضاً قد يتجوّز فيقال ذلك على مَن قام أكثر الليل، أمّا مَن قام أقلّ اللّيل فلا ينطبق عليه عرفاً، وإن جاء في الحديث الصحيح أن ((مَنْ صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل، ومَنْ صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما قام اللّيل كلّه)).


المقدّم: هل يشترط مع هذا أن يدرك صلاة المغرب مع نفس الإمام حتّى يصدق عليه أنّه قام كلّ اللّيل، أو يكفي العشاء فحسب؟

-لا شك أنّ الحرص على صلاة الجماعة لا سيّما الفرائض دليل على توفيق الله -عزّ وجلّ- للشّخص، ويبعد أن يوفّق للقيام المسنون مَنْ يفرّط في الفرائض، تجده لا يوفّق لهذا، وهذا شاهده العيان موجود، فعلى الإنسان أن يعتني بما افترض الله عليه، وهو أهم من النّوافل، فإذا اهتم بما افترض الله عليه وفّقه الله لاغتنام الأوقات، والإعتناء بالنّوافل.


قوله: ((إيماناً واحتساباً)) منصوبان على أنّهما حالان متداخلتان أو مترادفتان، على تأويل مؤمناً ومحتسباً، ويقول القسطلاني: نصبا على المفعول له، من أجل الإيمان ومن أجل الاحتساب.

والمراد بذلك كما قال النووي: إيماناً أي تصديقاً بأنه حق وطاعة، ومعنى احتساباً أن يريد بذلك وجه الله تعالى لا لرياء ونحوه، فقد يفعل الإنسان الشيء الذي يعتقد أنه صدق، لكنه لا يفعله مخلصاً، بل لرياء أو خوف من قاهر أو لفوات منزلة ونحو ذلك، والله أعلم.

((غُفِرَ له ما تقدّم)) جواب الشرط وقع ماضياً، وفعل الشّرط مضارعاً كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك، والنّحاة يستضعفون مثل ذلك، ومنهم من منعه إلاّ في ضرورة الشعر أن يأتي فعل الشرط مضارع والجواب ماضي إلاّ في ضرورة الشعر، وأجازوا ضده، أن يكون فعل الشرط ماضياً وجوابه مضارعاً من قام يغفر له، وأجازوا ضده وهو أن يكون فعل الشرط ماضياً، والجواب مضارعاً، كما في قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} [(15) سورة هود] وأجاز جماعة ذلك مطلقاً، واحتجّوا بالحديث، حديث الباب وبقول عائشة -رضي الله عنها- في أبيها -رضي الله عنه-: "متى يقم مقامك رق" في وصف أبيها، حينما قالت: إنّه رجل أسيف، النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يستخلف أبا بكر ((مُرُوا أبا بكر لِيُصَلِّي بالنّاس)) فقالت عائشة -رضي الله عنه-: "إنّه رجل أسيف، متى يَقُم مقامك يَرِقّ، ولا يسمع الناس صوته من البكاء".

قال العيني: والصواب معهم؛ لأنّه وقع في كلام أفصح الناس، وفي كلام عائشة الفصيحة.

يقول ابن حجر: واستدلوا -يعني من أجازه- بقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ} [(4) سورة الشعراء] لأن قوله: {فَظَلَّتْ} بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب وتابع الجواب جواب.

واستدلوا أيضاً بهذا الحديث، يقول ابن حجر: وعندي في الإستدلال به نظر؛ لأنّني أظنّه من تصرّف الرواة؛ لأنّ الروايات فيه مشهورة، عن أبي هريرة بلفظ المضارع في الشرط والجزاء، من يقم يغفر له.

قال العيني رداً عليه: لا نسلم أن تابع الجواب جواب، بل هو في حكم الجواب، وفرق بين الجواب وحكم الجواب، وقوله: {فَظَلَّتْ} عطف على قوله {نُنَزِّلْ} وحق المعطوف صحة حلوله محل المعطوف عليه، وقوله -يعني ابن حجر-: وعندي في الاستدلال به نظر، أراد استدلال المجوزين بالحديث المذكور؛ لأنني أظنه من تصرف الرواة، فقد رواه النسائي فذكره بإسناده باتحاد الجزأين، من يقم ليلة القدر يغفر له.

قلت -القائل العيني-: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائي والطبراني لا فيما رواه البخاري، استدراك ظاهر.

قال العيني: لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائي والطبراني وأن ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبوي؟ بل الأمر كذلك؛ لأن رواية البخاري لا يعادلها غيرها، ويؤيدها رواية مسلم كذلك.

ابن هشام في أوضح المسالك لما ذكر أسماء الشرط وأفعاله وحروفه قال: وكلُّ منهنَّ يقتضى فعلين يسمّى أوّلهما: شرطاً، وثانيهما: جواباً وجزاء، ويكونان مضارعين، نحو: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ} [(19) سورة الأنفال] وماضيين، نحو: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} [(8) سورة الإسراء] وماضياً فمضارعاً، نحو: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} [(20) سورة الشورى] وعكسه، وهو قليل، نحو: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إيَماناً وَإحْتِسَاباً غِفُرَ لَهُ)) ومنه: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ} [(4) سورة الشعراء] لأن تابع الجواب جواب".

ومن هنا نعلم أنّ ابن حجر استفاد كلامه من كلام ابن هشام، وأيضاً المباحث النحوية غالباً في عمدة القاري يستمدها من ابن هشام، لا سيما في المغني، وهذا بالاستقراء، وهنا ابن حجر استفاد هذا الكلام من ابن هشام. ورد الناظم بهذين ونحوهما على الأكثرين إذ خَصُّوا هذا النوع بالضرورة، الناظم من هو؟ ابن مالك ناظم الألفية، الناظم رد بهذين ونحوهما على الأكثرين إذ خَصُّوا هذا النوع بالضرورة.

((ما تقدّم من ذنبه)) أي: مما يتعلق بحقوق الله -عز وجل- غير ما يتعلق بحقوق الآدميين؛ لأنّ الإجماع قائم على أنها لا تسقط إلا برضاهم، نعم حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، وحقوق الله -عز وجل- مبنية على المسامحة، فما تقدم من ذنبه لا يشمل حقوق الآدميين؛ لأنها لا تسقط إلا برضاهم، ويشترط أيضاً أن يكون الذنب ممّا هو تحت المشيئة، فيخرج الشرك الذي أخبر الله -عز وجل- أنه لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وهل تغفر الكبائر بقيام ليلة القدر وبقيام رمضان وبصيام رمضان على ما سيأتي أو المغفرة خاصّة بالصّغائر؟

جاء في أحاديث: ((العمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)) وفي رواية: ((ما لم تُغْشَ كبيرة)) فهل ما معنا منها؟

يعني مثل هذه الأعمال العظيمة تكفّر الكبائر دون الصغائر؟ أو نقول: ((ما تقدّم من ذنبه)) (ما) من صيغ العموم؟ ويقول الكرماني: الذّنب عام لأنّه اسم جنس مضاف، لا سيّما ليلة القدر التي ورد فيها هذا الفضل العظيم، وأنّها تعدل ألف شهر، خير من ألف شهر، فالذي يعطي مثل هذا الفضل العظيم لا يبعد أن يغفر بها، أو بقيامها إيماناً واحتساباً الصّغائر والكبائر، لا سيّما وأن (ما) من صيغ العموم، وأيضاً الذنب اسم جنس مضاف ((ما تقدّم من ذنبه)).

جاء عند النسائي في الكبرى بعد رواية الحديث، قال: وفي حديث قتيبة: ((وما تأخّر)) ((ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر)) وهذه الزيادة صححها المنذري في الترغيب، وقال ابن عبد البر في التمهيد: زيادة منكرة، وقال الألباني في حاشيته على صحيح الترغيب: "هذه الزيادة شاذة، خالف بها قتيبة الثقات".

لكن ابن حجر في فتح الباري ذكر لها متابعات، قال: ليس هو بمنكر، يرد على ابن عبد البر، فقد تابعه يعني حامد بن يحيى قتيبة وهشام بن عمار والحسين بن الحسن المروزي ويوسف بن يعقوب، وقد وقعت هذه الزيادة أيضاً في حديث عبادة بن الصامت، يعني الحديث له شاهد، يعني راويه له متابع، له جمع من المتابعين، تابعه جماعة، والحديث من رواية أبي هريرة له شاهد من حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين، وإسناده حسن.

يقول: وقد استوعبت الكلام على طرقه في كتاب: "الخصال المكفّرة للذّنوب المتقدّمة والمتأخّرة" هذا كلام ابن حجر.

طالب: أقول: هل يُشْرَع -أحسن الله إليك- أن يدعو الإنسان لنفسه يقول: اللّهمّ اغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر؟

لا مانع أن يدعو الإنسان بهذا الدّعاء؛ لأن ذنبه المتقدم محقق، وذنبه المتأخر غالب على الظن، ومعنى المغفرة الستر، وأن يستر عليه في الدنيا من اطلاع الناس على هذه الذنوب، وأن يستر عليه في الآخرة فلا يعذبه عليها، سواءً منها ما تقدم وما تأخر.

المقدّم: أحسن الله إليكم ظهرت الحقيقة في الآونة الأخيرة بعض التأويلات لرؤى بتحديد ليلة القدر، وأحياناً تحدّد هذه الليلة صبيحة اليوم التالي، صبيحة يوم الرابع والعشرين يقال: إن ليلة القدر هي الليلة البارحة أو قبل البارحة، وهذا يدفع الناس إلى التكاسل، هل لهذا أصل شرعي؟

الأصل الشّرعي على خلافه، الأصل الشرعي على خلاف ذلك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لما تواطأت رؤى الصحابة عليها ((أرى رؤياكم قد تواطأت)) ومع ذلك لم يحدّدها بليلة، وإنّما طلب التماسها في العشر ((فمَنْ كان مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحَرَّها في السّبع الأواخر)) ((في سابعة تبقى))... إلى آخره، وهذا قصد شرعي،،إخفاؤها من مقاصد الشرع ليجتهد الناس ويكثر الناس من العبادة، ويلجأ الناس إلى ربّهم، أمّا إذا عرفت هذه الليلة يكسل الناس، ولا يقوم الناس غير هذه الليلة، كما أنّ هناك حكمة من إخفاء ساعة الجمعة وغيرها ممّا جاء في الشرع من النّظائر.

الحديث بجمله الثلاث هو حديث واحد ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) ((مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه)) ((مَنْ صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) هذه الجمل الثلاث هي عبارة عن حديث واحد، وجرت عادة الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أنه يقطع الحديث، ويجعلها في مواضع متعددة، يترجم على كل جملة بما يناسبها من حكم، ونظراً لارتباط بعضها ببعض نقدم حديث قيام رمضان وحديث صيام رمضان على حديث الجهاد وأنه من الإيمان.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعنه أيضاً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه)) قيام رمضان ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التّراويح، يريد أنّه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلاّ بها، ، ولذا يقول: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، ومراده بذلك أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلاّ بها، فمن صلى التراويح مع المسلمين يقال: قام رمضان، ومَن صلى بمفرده ورأى أن صلاته بمفرده أجمع لقلبه، وأنفع له يصدق عليه أنّه قام رمضان، والمراد بالقيام قيام لياليه مصلياً تالياً ذاكراً، وسمّيت الصلاة بالجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، والسبب في ذلك طول القيام.

روى الإمام البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه)) وروى أيضاً عن عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلي بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: ((أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)) فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك.

قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر -رضي الله عنهما-.
وعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر -رضي الله عنه-: "نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون" يريد صلاة آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إيماناً)) أي: تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه، واحتساباً: أي طلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه.
و((غُفِر له)) ظاهره يتناول الصغائر والكبائر على ما تقدم ذكره، وبهذا جزم ابن المنذر، وإن قال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، لكن إن جاء على الصغائر كلها يجوز أن يخفف من الكبائر، وإلا فالكبائر لا بد فيها من التوبة.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- صلى بالناس جماعة في ثلاث ليال، ثم ترك التجميع بهم خشية أن تفرض على الأمة وهذا من شفقته -عليه الصلاة والسلام- ورأفته بأمته، ثم استمر الأمر على الترغيب في قيام رمضان في غير جماعة بقية عمره -عليه الصلاة والسلام-، وفي خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-، وفي صدر خلافة عمر -رضي الله عنه-، ثم إن عمر -رضي الله عنه- وهو الخليفة الراشد الذي أمرنا بالاقتداء به في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) الخليفة الراشد عمر -رضي الله عنه- اجتهد بعد أن زالت الخشية، يعني خشية أن تفرض على الأمة، فيعجز عنها الناس، فجمع الناس على أبي بن كعب، أي: جعله لهم إماماً، وكأنه اختاره عملاً بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) وأبي بن كعب أقرؤهم كما ثبت.

ثم إن عمر -رضي الله عنه- خرج ليلة والناس يصلون بصلاة قارئهم، فإنه أعجبه ذلك، وخشي أن يقال له: ابتدعت يا عمر، فقال -رضي الله عنه-: نعم البدعة، أو نعمت البدعة هذه.
والبدعة ما عمل على غير مثال سابق، هذا أصلها، وهي في الشرع: ما تعبد به مما لا دليل عليه، وزعم بعضهم أن المراد بالبدعة هنا هي البدعة اللغوية، وقال بعضهم: إنه من قبيل المجاز، وهي في الحقيقة ليست ببدعة لغوية؛ لماذا؟ لأنها عملت على مثال سبق، فقد صلاها النبي -عليه الصلاة والسلام- ثلاث ليالي، ثم ترك ذلك لا نسخاً لها وإنما خشية أن تفرض، وهي أيضاً ليست ببدعة شرعية؛ لأن لها أصلاً شرعياً فقد صلاها النبي -عليه الصلاة والسلام- كما سبق.

والقول بأنها مجاز ليس بصحيح إذ لا مجاز في لغة العرب أصلاً، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين، والصواب أن ذلك من باب المشاكلة في اللفظ، فكأن قائلاً قال: ابتدعت يا عمر، فقال: نعم البدعة،

وما اختاره العز بن عبد السلام والنووي وابن حجر من تقسيم البدع إلى حسنة وقبيحة، وأن ما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهو حسن، وما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهو قبيح، وإلاّ فهو من قبيل المباح كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري، أو أنّها تنقسم إلى أقسام خمسة، وأن من البدع ما هو واجب، ومنها ما مستحب، ومنها ما هو مباح ومكروه ومحظور، فهو تقسيم مخترع مبتدع لم يرد عليه الدليل لا من الكتاب ولا من السُّنَّة، بل صرح النبي -عليه الصلاة والسلام- بخلافه، حيث قال: ((وكل بدعة ضلالة)) فكيف يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((كلّ بدعة ضلالة)) ((وشر الأمور محدثاتها)) ونقول: إن من البدع ما هو واجب أو مستحب؟

إذا عرفنا هذا فقيام رمضان من أفضل القربات؛ لأن القيام عموماً في غير رمضان من أفضل الأعمال وهو دأب الصالحين، لا سيما في مثل هذه الأوقات التي ترجى فيها ليلة القدر كليالي العشر من رمضان، فقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((مَنْ قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) على ما تقدم.

وأما الجملة الأخيرة من جمل الحديث، وهي: ((مَنْ صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) فيه فضل الصيام، وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة على خلاف بين أهل العلم في ترتيبه، هل هو الرابع أو الخامس، والجمهور على أنه الرابع، وإن قدم البخاري الحج عليه، لكن هو ركن بالإجماع، وقد اختلف العلماء فيمن ترك أحد الأركان، فجزم بعضهم بكفره، وإن كان غير الصلاة، الصلاة قول أكثر الصحابة أن تركها كفر، لكن بقية الأركان جزم بكفر تاركها جمع من أهل العلم، وإن كان جمهور أهل العلم لا يكفر من ترك غير الصلاة إلا إذا لم يعتقد وجوبها، أو جحد وجوبها.

إذا عرفنا هذا فالصوم فضله عظيم، وثوابه جسيم، جاءت به الأحاديث الكثيرة المخرجة في الصحيحين وغيرهما من دواوين الإسلام من السنن والجوامع والسنن والمصنفات وغيرها، ويكفي من ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- خصه بإضافته إليه، كما ثبت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((قال الله -عز وجل-: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرئ صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)) متفق عليه.

يقول القرطبي في تفسيره: "وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات،

أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.

الثاني: أن الصّوم سرّ بين العبد وبين ربّه لا يظهر إلاّ له، فلذلك صار مختصاً به، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنّعاً ورياءً، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره.

قال ابن عبد البر: "كفى بقوله: ((الصوم لي)) فضلاً للصيام على سائر العبادات، لكن قال ابن حجر في فتح الباري: "واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً، وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((مَن صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)).

وأخرجا من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن في الجنّة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد)) نعم؟

طالب: أحسن الله إليك قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((مَنْ صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً)) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، المقصود في سبيل الله هل المقصود ابتغاء وجه الله والأجر ونوال الأجر من الله -عز وجل-، أو المقصود به الصيام في سبيل الله يعني في الجهاد في سبيل الله؟

المسألة فيها كلام لأهل العلم، منهم مَن رجّح هذا، ومنهم مَن رجّح ذاك، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى-كأنه يميل إلى أن المراد في سبيل الله الجهاد، بدليل أن الحديث خرجه في كتاب الجهاد، باب الصيام في سبيل الله، وهو في الجهاد، باب الصيام في الجهاد، فكأنه فهم أن المراد في سبيل الله الجهاد، لكن اللفظ محتمل في سبيل الله يعني ابتغاء وجه الله، مخلصاً لهه في ذلك، نعم.

طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ في مسألة مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر ألا يمكن أن يستدل بدعاء النبي -عليه الصلاة والسلام- الثابت عنه في الصحيحين: ((اللّهم اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت)) فيقال: إن هذا يعني عام لجميع الأمّة؟

بلى، هذا فيه دليل على أن طلب مغفرة الذنوب ما تقدم منها وما تأخر مطلوب من المسلم عموماً؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا فعل فعلاً أو قال قولاً ولم يدل الدليل على اختصاصه به دل على أن أمته في حكمه؛ لأن الأصل الاقتداء والائتساء، ولم يدل دليل على اختصاصه -عليه الصلاة والسلام- بهذا الدعاء، فيشرع لأمته أن يقول كل واحد منهم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت.

المقدم: أحسن الله إليك الذين قالوا: بأنّه ربّما يدخل في غفران الذنوب حتى الكبائر، كيف يصرفون حديث: ((ما لم تغش كبيرة)) ما لم يأتِ الكبائر؟

المقصود في هذه الأبواب، خصوصاً في هذه الأبواب، وهذا الشهر وهذه الليالي وليلة القدر على وجه الخصوص يعظم فيها فضل الله -عز وجل-، فتكثر فيها نفحاته، وتجاوزه ومغفرته لذنوب عباده صغيرها وكبيرها، ولا شك أن هذا قول معتبر عند أهل العلم؛ لأنه لم يرد القيد هنا، وإن ورد في نصوص أخرى، لكنها في غير هذه الأبواب في الصيام والقيام قيام ليلة القدر.
طالب: قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((مَن صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف الليل، ومَن صلّى الصبح في جماعة فكأنّما قام الليل كله)) لو قال قائل: سأصلي العشاء في جماعة والفجر في جماعة في رمضان، فهل يحسب لي قيام ليلة؟

أقول: التّشبيه من بعض الوجوه كأنما..، أقول: التشبيه من بعض الوجوه الوارد هنا (كأنما) كغيره من التشبيه، قد يكون التشبيه من وجه دون وجه، من قرأ سورة الإخلاص كأنما قرأ ثلث القرآن فهل معنى هذا أن ثواب من قرأ القرآن كاملاً وثبت له أجره على الوجه المأمور به وكل حرف بعشر حسنات، وفي القرآن أكثر من ثلاث ملايين حسنة هل معنى هذا أنه يتساوى مع من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات؟ لا يستويان، وإن شبه قارئ قل هو الله أحد بمن قرأ القرآن كاملاً، فكأنما قرأ القرآن...

المقصود أن التشبيه قد يكون من وجه دون وجوه، وذكرنا من أمثلة ذلك تمثيل الرؤية، رؤية الباري -عز وجل- يوم القيامة ((كما ترون القمر ليلة البدر)) لكن هل يقتضي هذا أن التشبيه من جميع الوجوه؟ لا يقتضي ذلك أبداً، بوجه من الوجوه، والله المستعان.

على كل حال على الإنسان أن يغتنم هذه الفرصة وهذه الأوقات، وتنزل الرحمات من الله -عز وجل- في هذا الوقت، والله المستعان.

الإمام البخاري خرج الحديث في سبعة مواضع من صحيحه منها هذه الثلاثة التي ذكرنها، فقال في الموضع الأول: هنا في كتاب الإيمان، باب: قيام ليلة القدر من الإيمان.
قال -رحمه الله-: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال فذكره، واقتصر هنا على ما يختص بليلة القدر، وتقدم ذكر المناسبة.
الموضع الثاني: في كتاب الإيمان أيضاً، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان، قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَنْ قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) والمناسبة سبقت الإشارة إليها، وهي ظاهرة.
الموضع الثالث: في الموضع الذي يلي السابق من كتاب الإيمان، باب: صوم رمضان احتساباً من الإيمان.

قال -رحمه الله-: حدثنا بن سلام قال: أخبرنا محمد بن فضيل قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) والجمل الثلاث عرفنا أنها حديث واحد فرقه الإمام البخاري في المواضع السبعة.


الموضع الرابع: في كتاب الصيام، باب: من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونية.

قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) ((ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) والمناسبة بين الباب والكتاب ظاهرة باب من صام رمضان لكتاب الصيام ظاهرة، وأيضاً مناسبة الحديث للباب المطابقة التامة.


الموضع الخامس: كتاب صلاة التراويح، باب: فضل مَنْ قام رمضان.

قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لرمضان: ((مَنْ قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وقيام رمضان هو التراويح، كتاب صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان، والمناسبة ظاهرة، وقوله: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لرمضان، أي: لفضل رمضان، أو لأجل رمضان، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى (عن) أي: يقول عن رمضان.

الموضع السادس: في الباب المذكور نفسه، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال... فذكره، والمناسبة ظاهرة.


الموضع السابع: في كتاب فضل ليلة القدر، باب: فضل ليلة القدر.

قال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال: حفظناه وأيما حفظ من الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً...)) إلى آخره ((ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً...)) إلى آخره، والمناسبة ظاهرة.

قال سفيان حفظناه أيما حفظ من الزهري، يؤكد سفيان أنه ضبط الحديث وأتقنه، وأنه على ذكر منه بجمله، وهو من الأئمة الكبار الحفاظ، ولا يحتاج إلى أن يقول مثل هذا الكلام، لكنه يؤكد ذلك -رحمه الله-، والحديث أيضاً مخرج في صحيح مسلم، فالحديث متفق عليه.

المقدم: أحسن الله إليكم هل كان تسميتهم لها بصلاة التراويح كأنها تسمية قديمة أيضاً ما دام ذكرها البخاري فالتسمية قديمة؟

نعم التسمية قديمة؛ لأنها أخذت من صنيعهم بعد كل تسليمتين يستريحون ويرتاحون، فهي من هذا الباب تسمى تراويح.

المقدم: لكن لها صفة معينة -أحسن الله إليك- يحصل خلاف بين بعض المسلمين مع الأسف سواء بعضهم ربما يطالب الإمام بأن لا يتجاوز إحدى عشرة ركعة، ومع التخفيف، وبعضهم إذا زاد في عدد الركعات مع التخفيف غضب، كأن هناك ضابط لهذه المسألة، والتوقف عن مثل هذه النزاعات التي تحصل في بعض المساجد مع الأسف.

ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" هذا مخرج في الصحيح، وثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، وفي صحيح مسلم أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) وروى البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قام مع النبي -عليه الصلاة والسلام- ليلة فصلى، ثم صلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر" فهذه تزيد على الثلاث عشرة، خمس عشرة،

وفي حديث عائشة التحديد بإحدى عشرة، وصح عنه الثلاث عشرة، وصح عنه أكثر من ذلك، كما في حديث ابن عباس، وجاء عنه الإطلاق في صلاة الليل، وأنها مثنى مثنى، وكل ذلك يدل على أن العدد غير مراد، ولذا اختلف العلماء في عدد صلاة التراويح، قال الترمذي: وأكثر ما قيل: إنها تصلى إحدى وأربعين ركعة، يعني بالوتر، وعن مالك: ست وأربعين، وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقال بعضهم: ثلاث وعشرون، وقيل: غير ذلك استدلالاً بحديث مطلق: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) فلا تحديد، لكن من تقيد بفعله -عليه الصلاة والسلام- صفة وعدداً فهو أولى، ومما جاء في صفة صلاته -عليه الصلاة والسلام- وتطويله الصلاة حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "صلّيت مع الرسول -عليه الصلاة والسلام- فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي -عليه الصلاة والسلام-" رواه البخاري.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل كان يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر" وثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنّه قام بسورة البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، وثبت عنه أنه أوتر بخمس وسبع وتسع وغير ذلك، فالظاهر أنه ليس هناك حد معين لصلاة الليل، لكن من قل عدد الركعات أطال القراءة والسجود، ومن أكثر العدد في الركعات خفف ذلك على خلاف بين أهل العلم في المفاضلة بين طول القيام والقراءة والسجود وكثرة عدد الركعات، ولكل أدلته، والله المستعان.

على كل حال الأمر فيه سعة، من قلل العدد وأراد الاقتصار على العدد الذي لزمه النبي -عليه الصلاة والسلام- وطول مثل تطويل النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو أفضل، لكن من قال: أنا لا أستطيع أن أقوم مثل قيامه -عليه الصلاة والسلام- بالبقرة والنساء وآل عمران، أريد أن أخفف يقال له: زد، وصلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر، والله المستعان.


وصلّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 622
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى