منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

الإيـمان الحق وصفات المؤمنين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الإيـمان الحق وصفات المؤمنين

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الإثنين سبتمبر 05, 2016 5:05 pm









الإيـمان الحق وصفات المؤمنين

لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين[1].

أما بعد: أيها الإخوة الكرام قد سمعتم عنوان المحاضرة، وهو (الإيمان الحق وصفات المؤمنين) فهي ذات شقين: أحدهما تعريف الإيـمان الحق. والثاني: تعريف صفات المؤمنين. وسأتكلم إن شاء الله على الشقين جميعاً.

أما الشق الأول: فهو الإيـمان الحق:

وتعريفه: هو التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله قولاً وعملاً وعقيدةً، هذا هو الإيـمان الحق: التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله وبكل ما شرعه الله لعباده من قول وعمل وعقيدة، هذا هو الإيـمان الحق.

ودل على ذلك آيات كثيرات من كتاب الله عز وجل منها قوله جل وعلا: ( الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (5) )[2]، وقوله جل وعلا: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[3] ).

فبّين جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة صفات المؤمنين، وبيّن المؤمن حقاً وأنه من آمن بالله وملائكته إلى أخره، كما بيّن في الآيات السابقات في أول البقرة أنّ المتّقين هم أهل الإيـمان بالله واليوم الآخر، هم أهل الإيـمان بالآخرة والإيـمان بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، والإيـمان بما أُنزل على من قبله مع إقامتهم الصلاة، ومع أدائهم الزكاة ومع إيـمانهم بالغيب، والإيـمان بالغيب وبما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أُنزل على الأنبياء، مع العمل هذا هو الإيـمان الحق، الذي تطابق فيه القلب واللسان، وتنقاد له الجوارح هذا هو الإيـمان الحق، ولهذا قال في أهله: ( أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ).

فالمعنى أنّ هؤلاء قد ثبتوا على الهدى واستقرّوا عليه، ووفّقهم الله للفلاح بإيـمانهم الصادق، وعملهم الصالح وقولهم بالألسنة ما يطابق القلوب، وما تصدّقه الأعمال، وهكذا قوله جل وعلا: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ ) المعنى ولكن من البرّ: (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) آمن بقلبه وصدق بالعمل ( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ) إذا عاهدوا صدقوا وهم يؤمنون قولاً وعملاً وعقيدةً ( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء ) هذا من عمل القلب وتصدّقه الجوارح، فصبر القلب الصادق تصدقه الجوارح، ويصدقه الكلام: ( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء ) البأساء هي الفقر والحاجة، والضرّاء هي الأمراض والجراح، ( وَحِينَ الْبَأْسِ ) حين الحرب ولقاء الأعداء، هؤلاء المؤمنون صُبَّر في البأساء والضراء، في الشدة والرخاء وفي حال لقاء الأعداء.

هذا من دلائل صحّة الإيـمان وأنّ إيـمانه حق ليس كإيـمان المنافقين الذين يقولون بالألسنة ما ليس في القلوب ولهذا قال بعد ذلك في تمام الآية: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) هؤلاء الذين قالوا وعملوا وكذبوا بالظنون، هم أهل الصدق وهم أهل التقوى وهم أهل الإيـمان، فالإيـمان الحق عقيدة يصدقها اللسان، وتصدقها الجوارح وذلك هو الإيـمان بالله، وبرسله وبكتبه، وبالملائكة وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرّه، هذه أصوله، وهذه أركانه، وهذه منازله ومبانيه كما جاء في الحديث الشريف، حديث عمر رضي الله عنه، حين سأل جبرائيل نبينا عليه الصلاة والسلام عن الإيـمان فقال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه))[4]، وهذه الستّة هي أصول الإيـمان ومبانيه، وعليها مداره ويتبعها التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله من فروع الإيـمان بالله، ومن تحقيق الإيـمان بالله الإيـمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، من الجنة والنار والحساب والجزاء وأخبار الرسل الماضين وما جرى عليهم وما جرى لأممهم، وما يكون يوم القيامة، إلى غير ذلك كله داخل في الإيـمان، وهكذا تفاصيل الإيـمان بالرسل والملائكة، واليوم الآخر كله داخل في الإيـمان.

وهكذا الإيـمان بالقدر يشمل أموراً أربعة: يشمل الإيـمان بعلم الله بما يقع في العالم من خير وشر، ومن ظهور ممالك وسقوط أخرى، ومن آجال وأرزاق، ومن أعمال وصحة وأمراض وغير ذلك، فهو يعلم كل شيء سبحانه وتعالى: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[5]) ، ( إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[6]).

الأمر الثاني: أنّه كتب كل شيء سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[7])، وقال سبحانه: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[8]).

والأمر الثالث: أنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويدل على هذا آيات كثيرات كما قال جل وعلا: ( لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29))[9]، وقال عز وجل: ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ[10]) ، وقال جل وعلا: ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)[11]، وقال عز وجل: ( فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (12) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)[12].

والأمر الرابع: خلقه للأشياء وإيجاده لها، بمحض مشيئته وقدرته الكاملة سبحانه وتعالى، وعلمه التامّ كما قال عز وجل: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)[13]، وقال سبحانه: ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ )[14].

وهذه الأربعة: هي خلاصة الإيـمان بالقدر، ومجموع قدرات الإنسان أن تؤمن بأن الله علم الأشياء كلها، من أعمال وآجال وأرزاق وغير ذلك، وكتب ذلك عنده سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الخلاّق العليم، ليس هناك خالق سواه سبحانه وتعالى.

فالإيـمان بهذه الأصول الستّة هو: أصل الإيـمان بما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام، من شرائع وأخبار وعلى رأسهم إمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فالإيـمان الحق والإيـمان الصادق هو الإيـمان بهذه الأصول الستة، والإيـمان بما يلتحق بها من كل ما أخبر الله به ورسوله، مما كان وما سيكون في آخر الزمان، وفي يوم القيامة وفي الجنة والنار وغير ذلك، ويلتحق بذلك أيضاً الإيـمان بكل ما شرعه الله ورسوله من أعمال وأقوال وعقائد كل داخل في الإيـمان الصادق الحق.

وهذا يوجب على العبد أن يستقيم على أمر الله، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله، حتى يؤدي ما أوجب الله على بصيرة، وحتى يدع ما حرم الله على بصيرة، وحتى يصدق بكل ما أخبر الله به ورسوله عن علم وهدى وبصيرة، وهذا الإيـمان الحق يزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وقد جاء في السُنَّة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يدل على أنّ كل ما أخبر الله به ورسوله، وكل ما شرعه يسمّى إيـماناً لما تقدم، من هذا قوله عليه الصلاة والسلام في حديث وفد عبد القيس في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: ((آمركم بالإيـمان بالله. أتدرون ما الإيـمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم))[15] فسمّى هذه إيـماناً فدل ذلك على أنّ الإيـمان يطلق على العمل، كما يطلق على التصديق بالقول، وكما يطلق على التصديق باللسان، وجاء أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيحين أنّه قال عليه الصلاة والسلام: ((الإيـمان بضع وستون شعبة))[16]، وفي لفظ مسلم: ((بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))[17].

فسمى جميع أعمال الدين إيـماناً ومن جملتها الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، سمى ذلك إيـماناً في قوله: ((فأفضلها قول لا إله إلا الله)) مع الشهادة أنّ محمداً رسول الله ، لأنّ هاتين الشهادتين لا تغني إحداهما، عن الأخرى ولا تنفكُّ إحداهما عن الأخرى بل لا بد منهما جميعاً، فلا إسلام ولا إيـمان إلا بهما جميعاً، وجعل جميع ما شرعه الله إيـماناً، فدل ذلك على أنّ الإيـمان يطلق على ما يكون في القلب، وعلى ما تقوم به الجوارح، وعلى ما ينطق به اللسان ممّا شرعه الله ورسوله، وكذلك سمَّى إماطة الأذى عن الطريق إيـماناً وهي من أعمال الجوارح، وسمى الحياء إيـماناً وهو من أعمال القلب.

فدل ذلك على أنّ ما يقوم به الإنسان ممّا شرعه الله، وأن تصديقه بما أخبر به الله ورسوله، كلّه يسمّى إيـماناً، كما أنّ أعماله الشرعية من صلاة وصوم وحج، وزكاة وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، كله يسمى إيـماناً وهكذا أقواله من قراءة أو من أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، وأذكار ودعائه الله عز وجل، كلّ ذلك يسمى إيـماناً، فالإيـمان الحق هو الذي يتطابق فيه القلب واللسان والجوارح عن ما شرعه الله سبحانه وتعالى، وعلى ما أخبر الله به ورسوله، يسمى إيـماناً.

ويسمّى إيـماناً حقاً لأنّه تطابق فيه القلب واللسان، وصدَّقَت به الجوارح، هذا هو الإيـمان الحق الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب وجاء به كتاب الله القرآن الكريم، وجاءت به سُنّة رسوله عليه الصلاة والسلام.

وضد ذلك الإيـمان الباطل، الإيـمان الكاذب، وهو الإيـمان باللسان دون القلب، وهو إيـمان أهل النفاق، فإنّهم يقولون بالألسنة ما ليس في القلوب، وبالأفواه ما ليس في الضمائر. هؤلاء هم أهل النفاق الذين كذبوا بقلوبهم، وصدَّقوا بالألسنة مجاملة ومراعاة لحاجاتهم الحاضرة، ومقاصدهم الدنيوية كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ )[18] سبحانه وتعالى، وقال عز وجل: ( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ )[19].

هذه حال المنافقين يقولون بالأفواه ما ليس في القلوب لأنّهم مكذبون بقلوبهم، غير مصدِّقين بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وغير مؤمنين بكتاب الله عز وجل، فهم كاذبون في دعوى الإيـمان، غير صادقين ولهذا قال الله سبحانه عنهم: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10))[20]، وقال عز وجل: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء)[21] ليس عندهم إيـمان، عندهم التردد، وعندهم الكذب وعندهم الشك والريب، هذه حال المنافقين، وهذا إيـمانهم الكاذب الذي بيَّنه الله عنهم جل وعلا، وأنّهم يدَّعونه باللسان ويخالفونه بالأعمال والقلوب،

فـالمؤمن الصادق هو الذي آمن بالله حقاً، وآمن بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، مّما دلّ عليه كتاب الله عز وجل: من أقوال وأعمال وعقائد، وطابق ما في قلبه ما قاله لسانه، وما عملت به جوارحه، هكذا الإيـمان الصادق، هكذا الإيـمان الحقّ، الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب وعلّق عليه السعادة والكرامة في الدنيا والآخرة قال جل وعلا: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72))[22]. هذا هو الإيـمان الصادق، وعد الله أهله بالرحمة والجنة والكرامة، وقال عز وجل: ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[23]. في آيات كثيرات كلّها تدل على وجوب الإيـمان كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا)[24].

فالإيـمان الحق يتضمّن الإيـمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره كما تقدم، وتقدم أن هذه الستّة هي أصول الإيـمان وهي أركانه ومبانيه، ويلتحق بها ويتفرّع عنها الإيـمان بكل ما فرضه الله ورسوله، فإنّ ذلك داخل في الإيـمان بالله، ويدخل في ذلك أيضاً كل ما يتعلّق بأخبار الآخرة، وأخبار الجنة والنار، وأخبار الحساب والجزاء، كل داخل في الإيـمان باليوم الآخر، ويتعلّق بذلك أيضاً كل ما يتعلق بالقدر، وفيه قدر كل ما هو داخل في القدر، وكل ما يتعلّق بالإيـمان بما يكون في آخر الزمان، وما مر به الزمان، كل داخل في الإيـمان بالله سبحانه وتعالى، وإذا صدَّق المرء بلسانه وقلبه، وصدَّق بجوارحه فهو المؤمن حقاً، وهو الإيـمان الذي درج عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، وهو يزيد وينقص، يزيد بالأعمال الصالحات، من صلاة وصوم وجهاد، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وصدقات وقراءة قرآن وأذكار، ودعوة إلى الله إلى غير ذلك، وينقص بالمعاصي والمخالفات، ينقص بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها وهو مؤمن))[25] متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((وإن صلّى وصام وزعم أنّه مسلم))[26].

وهذا يدل على أن الإيـمان يرتفع بهذه المعاصي الكبيرة، ويبقى أصله فقط وأن أصله باقٍ مع المسلم، لكن كماله وتمامه يرتفع بهذه الكبائر: كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وأكل أموال الناس ونحو ذلك؛ لأن هذا ينافي الإيـمان الواجب، ويرتفع الإيـمان الواجب الذي يمنعه مما حرم الله، ومن كون إيـمانه كاملاً، ومن كون إيـمانه الواجب حاضراً: لمنعه من هذه المعاصي، ومن هذه الكبائر، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)).

فدل ذلك على أنّ الإيـمان يضعف وينقص، حتى لا يمنع من الزنا، وحتى لا يمنع من شرب الخمر، وحتى لا يمنع من السرقة، وحتى لا يمنع من أكل أموال الناس، في ضعفه وما خالطه من شهوة جامحة، ورغبة في الدنيا وشهواتها، ومن موافقة النفس وهواها، على الوقوع فيما حرم الله عز وجل، وهذا هو قول أهل السُنّة والجماعة، ليس المعنى أنّه يكفر كما تقول الخوارج، لا ولكنّه يرتفع منه الإيـمان الكامل، ويرتفع منه الإيـمان الواجب، ويبقى معه أصل الإيـمان الذي كان به مسلماً، فيرتفع هذا الإيـمان الواجب، ويزول هذا الإيـمان الواجب بما يفعل من الفواحش والمنكرات، وإذا تاب ورجع تاب الله عليه، ورجع إليه إيـمانه الواجب الكامل، ويدل على هذا أنّه عليه الصلاة والسلام لم يحكم على الزاني بالردّة، ولا على السارق بالرّدة فيقتل، ولا على شارب الخمر بالردة فيقتل، فقد جاء في هذا حدود: فالزاني يُرجم إن كان محصناً، ويُجلد إن كان غير محصن مائة جلدة ويغرّب عاماً، ولو كان الزنا ردّة وكفراً لقُتِلَ؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَن بدّل دينه فاقتلوه))[27]، وهكذا السارق تُقطع يده، ولا يُقتل فدل ذلك على أنّ إسلامه باقٍ، وأنّ أصل إيـمانه باقٍ، ولكنّه أتى جريمة أوجبت قطع يده، تعزيراً وتنكيلاً وردعاً عن هذه المنكرات، وهكذا شارب الخمر لم يأمر بقتله، بل أمر أن يُجلد، فدل ذلك على أنّ شرب الخمر لا ينافي الإيـمان بالكلية، ولكن ينافي كماله وينافي الإيـمان الواجب، ويبقى معه أصل الإيـمان، الذي به صحّ إسلامه، ولهذا لم يؤمر بقتل من شرب الخمر، بل يُحدُّ حَدَّهُ الشرعي، وهو الحد بأربعين جلدة، أو ثمانين جلدة، كما رأى عمر رضي الله عنه وأرضاه، وتبعه أهل العلم في ذلك.

وهكذا الغاصب للأموال لا يُقتل ولكن يُعزَّر، ويؤدَّب ويُردع بما يراه ولي الأمر: من جلد وسجن ونحو ذلك، حتى يرتدع عن أموال الناس، وهكذا المحارب الذي يحارب، ويقطع الطريق، فإنّه لا يكون مرتداً إذا لم يستحل ذلك، ولكنّه يكون ناقص الإيـمان، وضعيف الإيـمان، ويستحق أن يُعاقب بما شرع الله عقوبته، من قتل وصلب وتقطيع الأيدي والأرجل، والنفي من الأرض.

وبهذا تَعلم أن الإيـمان الحق، وأن الإيـمان الصادق، هو الإيـمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، والإيـمان بكل ما شرعه الله ورسوله من قول وعمل وعقيدة، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، كما قال أصحاب السنة والجماعة، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان، إذا أطعنا واستقمنا زاد الإيـمان، وإذا عصينا وضيّعنا نَقَصَ الإيـمان، كما سمعت في الدلائل، كما قال جل وعلا: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )[28]. في آيات كثيرات وقد سمعت الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) الحديث.

فعُلم بذلك أنّ الإيـمان يزداد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والمخالفات، وهو قول وعمل وعقيدة، هكذا قال أهل السنة والجماعة، وهكذا دلّ كتاب الله ودّلتْ سُنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنّه قول وعمل وعقيدة، وبعبارة أخرى أنّه التصديق باللسان، والعمل بالجوارح والتصديق بالجنان، هكذا الإيـمان الصادق: قول وعمل يطابقان ما في قلبك من الإيـمان بالله ورسوله، ومن الإيـمان بكل ما شرعه الله ورسوله، وأنّه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، خلافاً للخوارج والمعتزلة فإنّهم قالوا: لا يزيد ولا ينقص، فإمّا أن يوجد مرّة، وإما أن يزول كله، وعندهم الزاني والسارق ونحوهما قد خرجا من الإيـمان، وصارا إلى الكفر والضلال عند الخوارج، وصارا في منـزلة بين منـزلتين عند المعتزلة، واتفقوا جميعاً على أنّه في النار مخلّد فيها كسائر الكفار، وهذا قول باطل من قول الخوارج والمعتزلة،

أمّا أهل السنة والجماعة فيقولون: إنه ناقص الإيـمان، وأنه ضعيف الإيـمان، ولم يخرج من الإيـمان بالكلية، بل إيـمانه ناقص، وإيـمانه ضعيف، وليس من الكفار وليس مخلداً في النار، إذا فعل ذلك عن شهوة، وغَلَبةٍ في هواه، لا عن تكذيب، ولا عن استحلال، فإنه يكون ضعيف الإيـمان، وله حكم أهل الإسلام، وهو مؤمن بالجنة، وإن جرى عليه ما يجري من عقاب يوم القيامة، ومن تعذيب بأسباب أعماله السيئة، فإنّ مصيره إلى الجنة ولا يُخلَّد في النار أبداً، وإنّما يخلد في النار الكفّار بالله والمنافقون، المنافقون النّفاق الأكبر، هؤلاء هم الذين يخلدون في النار،

أمّا العُصَاة فمن دخلها منهم فهو مؤمن مسلم، موحّد لم يستحل المعاصي وإنما فعلها لهوى وشهوة، وطمع ونحو ذلك، فهذا لا يخلد في النار، إذا دخلها فهو مؤمن ناقص الإيـمان، مسلم ضعيف الإيـمان، إذا دخل النار بمشيئة الله فإنه لا يخلد، وقد يعفى عند ولا يخلد في النار لأن ما دون الشرك تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء )[29] فهو سبحانه وتعالى حَكَمَ على أهل الشرك بأنّه لا يُغفر لهم إذا ماتوا عليه، أمّا العصاة فإنهم تحت مشيئة الله سبحانه، بإسلامهم وأعمالهم الصالحة، وإن شاء عذبهم على قدر جرائمهم التي ماتوا عليها غير تائبين: من زنا أو سرقة أو غير ذلك، ومآلهم بعد التطهير والتّمحيص إلى الجنة، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيـمان، مثقال ذرة من إيـمان، مثقال دينار من إيـمان، إلى غير ذلك.

هذه النصوص المتواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تدل على أنّ العاصي لا يخلد في النار، ولكنّه يعذب إذا دخلها، يُعذبّ بما شاء الله على قدر المعاصي التي مات عليها غير تائب، ثم بعد تطهيره وتنقيته من الخبث يخرجه الله من النار، إلى نهر الحياة كما جاء في هذه النصوص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وينبتون في النهر كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم بعد أن يستتم خلقه يدخله الله الجنة برحمته سبحانه وتعالى.

وبهذا علمنا الإيـمان الصادق الحق، وعلمنا الإيـمان الكاذب، فالإيـمان الصادق هو الذي فيه تطابق القلب واللسان، وتصديق الجوارح وأنّه يزيد وينقص ويضعف ويقوى، وأن العصاة وإن كانوا دخلوا في الإيـمان الصادق، وهم من أهله لكن العاصي ينقص إيـمانه، ويضعف إيـمانه بقدر معاصيه التي اقترفها ومن أدَّى الواجبات وتباعد عن المحرّمات كمل إيـمانه، ومن توسع في الطاعات والأعمال الصالحات، كان من السابقين المقربين وكانت منـزلته أعلى من غيره.



وبهذا يعلم حقيقة الإيـمان الصادق، وحقيقة أعمال أهله، وأنهم هم الصفوة، وهم خلاصة هذه الأمّة، الذين صدقوا في اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم، واستقاموا على طريقه: قولاً وعملاً وعقيدة.

هؤلاء هم أهل الإيـمان الحق، وهم أهل الإيـمان الصادق، وإن جرى منهم شيء من السيئات والمعاصي، كان بذلك إيـمانهم ضعيفاً، وكان إيـمانهم بذلك ناقصاً، فعليهم أن يحققوا إيـمانهم بالتوبة الصادقة، وبالرجوع إلى الله والإنابة إليه، وبإتّبََاعِ التوبة بالعمل الصالح، وبهذا يعود إليهم إيـمانهم، وكمال إيـمانهم بالتوبة الصادقة، والعمل الصالح.

أمّا صفات المؤمنين، فكثيرة قد أشار إليها سبحانه مجملة ومفصلة، في قوله عزّ وجل: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ )[30] هذه من صفات أهل الإيـمان التفصيلية.

أما القولية فيما بينهم: فيتحابون في الله، ينصح بعضهم بعضاً، ويوالي بعضهم بعضاً، لا يخذل بعضهم بعضاً، ولا يفسد بعضهم بعضاً، ولا يسبّ بعضهم بعضاً، متوائمين فيما بينهم، يتحابّون في الله، ويتواصون بالحق والصبر عليه، ويتعاونون على البر والتقوى، أينما كانوا لا غش ولا حقد، ولا حسد بينهم ولا غير ذلك، مما حرّم الله وإذا وجدت من نفسك أيها المسلم شيئاً من هذه المعاصي، فاعرف أن هذا نقص في إيـمانك، ونقص في دينك، وضعف في إيـمانك، وأنك بهذا خرجت عن كمال الإيـمان، وعن تمام الإيـمان، إلى ما أُلْتَ إليه، وإلى ما أنت صرت إليه، من نقص وضعف بسبب المعاصي التي أقدمت عليها.

ومن صفاتهم أنّهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، هذه من صفات أهل الإيـمان، ومن صفاتهم ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. وشبك بين أصابعه))[31]. فهم يتعاونون ويدعم بعضهم بعضاً، ويعين بعضهم بعضاً على الخير. ومن صفاتهم قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))[32]. فمن صفاته أنّه كامل النّصيحة، كامل المحبة لأخيه، يحب لأخيه كل خير، ويكره له كل شر، ومن صفاتهم ما جاء في الحديث الصحيح: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))[33]. كل هذا من صفات أهل الإيـمان، ومن صفاتهم ما دل عليه قوله جل وعلا: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) )[34]

هذه من صفاتهم العظيمة، ومن صفاتهم العظيمة أيضاً أنهم عند ذكر الله توجل القلوب، وعند تلاوة كتابه يزداد إيـمانهم، وعلى ربهم يتوكّلون في كل أمورهم، عليه يعتمدون مع الأخذ بالأسباب، ومع الأخذ بالأعمال التي شرعها الله لتمام التوكل، فمن تمام التوكل الأخذ بالأسباب، والأخذ بالأعمال فلا توكل إلا بأسباب، ولا أسباب إلاّ بتوكل، فالمؤمن يجمع بينهما: يعتمد على الله، بقلبه ويفوض إليه سبحانه وتعالى أموره، مع أخذه بالأسباب، مع تعاطي أسباب الجنة والبعد عن أسباب النار، ومع الأخذ بالأسباب الشرعية في كسب وطلب الحلال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، فهم في إيـمانهم صادقون صابرون، وعلى ربهم يتوكلون وبالأعمال الصالحة يأخذون، وعليها يعتمدون، وبترك الأعمال السيئة يعتمدون أيضاً، ويواظبون ويحافظون، وهكذا يأخذون بكل ما شرع الله، وبكل ما أباح الله من الأسباب فلا يضيّعونها، فالتوكل من دون أسباب عجز أيضاً، والأسباب من دون توكل عجز أيضاً، فالتوكل الصادق الذي شرعه الله لعباده، الذي يجمع بين الأمرين: بين الاعتماد على الله وبين الأخذ بالأسباب، والأعمال التي شرعها الله وأمر بها سبحانه وتعالى.

ومما ورد في صفات المؤمنين قوله عليه الصلاة والسلام في الحدث الصحيح الذي رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم أخو المسلم لا يبغضه ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن ستـر مسلماً ستره الله يوم القيامة))[35].

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والآيات كثيرة، ويكفينا ما أشرنا إليه من آيات وأحاديث في بيان صفات المؤمنين وأخلاقهم وأعمالهم الطيبة، وفي بيان الإيـمان الحق الذي رضي الله على أهله، ومدحهم ووعدهم الجنة والكرامة، والإيـمان الباطل الكاذب الذي ذم الله أهله، وعابهم ووصفهم بالنفاق ووعدهم عليه بالدرك الأسفل من النار.

وبهذا علمنا الإيـمان الصادق الإيـمان الحق، وأعمال أهله وصفاتهم، وعلمنا الإيـمان الباطل الكاذب، وصفات أهله وأنهم أهل النفاق، وأهل الكذب والخيانة والغش والخداع.

نسأل الله العافية من صفاتهم وأخلاقهم، ونسأله سبحانه أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يحقق إيـماننا جميعاً، وأن يوفقنا للصدق في القول والعمل، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه وليّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان.

---------------------------------------------------------------------------------------

[1] محاضرة ألقاها سماحته في أحد المساجد بمدينة الرياض.

[2] سورة البقرة، الآيات 1- 5.

[3] سورة البقرة، الآية 177..

[4] أخرجه مسلم في كتاب الإيـمان، باب بيان الإيـمان والإسلام والإحسان برقم 8.

[5] سورة الطلاق، الآية 12.

[6] سورة الأنفال، الآية 75.

[7] سورة الحج، الآية 70.

[8] سورة الحديد، الآية 22.

[9] سورة التكوير، الآيتان 28، 29.

[10] سورة الأنعام، الآية 112.

[11] سورة يونس، الآية 99.

[12] سورة المدثر، الآيتان 55، 56.

[13] سورة الزمر، الآية 62.

[14] سورة فاطر، الآية 3.

[15] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان برقم 53، ومسلم في كتابه الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم برقم 17.

[16] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان برقم 9.

[17] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها برقم 35.

[18] سورة آل عمران، الآيات 165- 167.

[19] سورة الفتح، الآية 11.

[20] سورة البقرة، الآيات 8- 10.

[21] سورة النساء، الآيتان 142، 143.

[22] سورة التوبة، الآيتان 71، 72.

[23] سورة التغابن، الآية 8.

[24] سورة النساء، الآية 136.

[25] أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، باب النهبى بغير إذن صاحبه برقم 2475.

[26] أخرجه مسلم في كتاب الإيـمان، باب بيان خصال المنافق برقم 59.

[27] أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم برقم 6922.

[28] سورة الأنفال، الآية 2.

[29] سورة النساء، الآية 48.

[30] سورة التوبة، الآية 71.

[31] أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، باب نصر المظلوم برقم 2446، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم برقم 2585.

[32] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه برقم 13، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن خصال الإيمان أن يحب... برقم 45.

[33] أخرجه البخاري في كتاب الآداب، باب رحمة الناس والبهائم برقم 6011، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم برقم 2586.

[34] سورة الأنفال، الآيات 2- 4.

[35] أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه برقم 2442، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم برقم 2580.


الموقع الرّسمي لسماحة






عبير الإسلام

عدد المساهمات : 676
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى