منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

عوامل إصلاح المجتمع.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عوامل إصلاح المجتمع.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأحد أكتوبر 02, 2016 3:13 pm










عوامل إصلاح المجتمع

للشّيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن بازرحمه الله



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصّلاة والسّلام الأتمّان والأكملان على عبده ورسوله نبيّنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أمّا بعد:

فإنّي أشكر الله عز وجل على ما من به من هذا اللقاء بإخواني وأبنائي في هذه الجامعة، وأسأله عز وجل أن يجعله لقاء مباركاً، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً، وأن يجعلنا هداة مهتدين وصالحين مصلحين، وأن يعيذنا جميعاً من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

ثم أشكر القائمين على هذه الجامعة على دعوتهم لي لهذا اللّقاء، واسأل الله أن يوفّقهم جميعاً لما فيه رضاه، ولما فيه صلاح أبناء الجامعة وموظّفيها والقائمين عليها، ولما فيه صلاح المسلمين عموماً، وأن يزيدهم هدى وتوفيقاً وأن يعيذنا جميعاً وسائر المسلمين من كل ما يغضبه، ويخالف شرعه، إنه جواد كريم.


أيّها الإخوة وأيّها الأبناء الكرام.


كلمتي أرجو أن تكون موجزة، ثم بعدها الجواب عمّا يتقدم به الأبناء من الأسئلة حسب الإمكان وعنوانها:

"عوامل إصلاح المجتمع".

المجتمع في أشدّ الحاجة إلى الإصلاح، المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي، ولكن بوجه أخص المجتمع الإسلامي في أشد الحاجة إلى أن يسير على النّهج القويم، وأن يأخذ بالعوامل والأسباب والوسائل الّتي بها صلاحه، وأن يسير على النّهج الذي سار عليه خيرة هذه الأمّة، خليل الرّحمن وصفوته من عباده، سيدنا محمد بن عبد الله عليه الصّلاة والسّلام.

ومعلوم أن العوامل التي بها صلاح المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي، هي العوامل التي قام بها إمام المرسلين، وخاتم النّبيّين عليه من ربّه أفضل الصلاة والتسليم، وقام بها صحابته الكرام وعلى رأسهم الخلفاء الرّاشدون المهديّون: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي المرتضى، أبو الحسن، ثم مَن معهم من الصحابة رضي الله عن الجميع، وجعلنا من أتباعهم بإحسان.

ومن المعلوم أن هذه العوامل قام بها نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم في مكّة أوّلاً، ثمّ في المدينة، ولن يصلح آخر هذه الأمّة إلاّ الذي صلح به أوّلها كما قال أهل العلم والإيمان، ومن جملتهم الإمام المشهور مالك بن أنس إمام أهل الهجرة في زمانه، والفقيه المعروف، أحد الأئمّة الأربعة قال هذه المقالة، وتلقّاها أهل العلم في زمانه وبعده، ووافقوا عليها جميعا: (لن يصلح آخر هذه الأمّة إلا ما أصلح أولها).


والمعنى: أن الذي صلح به أوّلها وهو اتّباع كتاب الله وسُنَّة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم هو الذي يصلح به آخرها إلى يوم القيامة.

ومَن أراد صلاح المجتمع الإسلامي، أو صلاح المجتمعات الأخرى في هذه الدّنيا بغير الطّريق والوسائل والعوامل التي صلح بها الأوّلون فقد غلط، وقال غير الحق،

فليس إلى غير هذا من سبيل، إنّما السّبيل إلى إصلاح النّاس وإقامتهم على الطّريق السّوي، هو السّبيل الذي درج عليه نبيّنا عليه الصلاة والسلام، ودرج عليه صحابته الكرام ثم أتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا، وهو العناية بالقرآن العظيم، والعناية بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوة النّاس إليهما والتّفقّه فيهما، ونشرهما بين النّاس عن علم وبصيرة وإيضاح ما دلّ عليه هذان الأصلان من الأحكام في العقيدة الأساسيّة الصّحيحة.

ومن الآراء التي يجب على المجتمع الإسلامي الأخذ بها، وبيان المحارم التي يجب على المجتمع الإسلامي الحذر منها، وبيان الحدود التي حدّها الله ورسوله، حتّى يقف عندها، كما قال عز وجل: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا}[1]،

وهي المحارم، نهى عن قربانها باقتراف المعاصي، كما نهى عن تعدّي الحدود الّتي حدّها لعباده وهي ما فرضه عليهم، وألزمهم به من العبادات والأحكام.







والرّسول صلى الله عليه وسلم أوّل عمل عمله، وأوّل أساس رسمه، أنّه دعا النّاس إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له.

هذا أوّل عمل، وهذا أوّل أساس تكلّم به ودعا إليه وسار عليه، هو دعوة الناس إلى توحيد الله، وإرشادهم إلى تفاصيل ذلك.


والكلمة التي دلت على هذا المعنى هي قول: لا إله إلا الله، هذه هي الأساس المتين، ومعها شهادة أن محمداً رسول الله.

هذان الأصلان والأساسان المهمّان: هما أساس الإسلام، وهما أساس صلاح هذه الأمّة، من أخذ بهما واستقام عليهما عملاً وعلماً ودعوةً وصبراً، استقام له أمره وأصلح الله به الأمّة، على قدر جهاده وقدرته وأسبابه، ومن أضاعهما أو أضاع أحدهما ضاع وهلك.


ولمّا بعث الله نبيّه عليه الصلاة والسلام، وأنزل القرآن، كان أوّل ما نزل عليه: اقرأ، ثم المدثّر،

فقام إلى النّاس ينذرهم ويدعوهم إلى توحيد الله ويحذّرهم نقمة الله عز وجل، ويقول: ((يا قوم قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا))

فاستكبر المشركون واستنكروا هذا ، لأنّه ليس الأمر الذي اعتادوه، وليس الأمر الذي أدركوا عليه أسلافهم، ولهذا استنكروه، وقالوا عند ذلك: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}[2]

وقالوا: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} وقبلها قوله سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}[3] فردّ الله عليهم بقوله: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ}[4].


وبسبب تساهل الكثير من العلماء وطلبة العلم، وأعيان أهل الإسلام الذين فقهوا توحيد الله، بسبب التّساهل في هذا الأصل الأصيل، انتشر الشّرك في بلدان كثيرة، وعبدت القبور وأهلها من دون الله، وصرف لها الكثير من عبادة الله، فهذا يدعو صاحب القبر، وهذا يستغيث به، وهذا ينذر له، وهذا يطلبه المدد كما فعلت قريش وغيرها في الجاهلية مع العزى، وكما فعل غيرهم مع اللاّت ومع مناة، ومع أصنام أخرى، وكما يفعل المشركون في كل زمان مع أصنامهم وأوثانهم، في التّعظيم والدّعاء والإستغاثة، والتّمسّح والتّبرك وطلب المدد.

وهذا من دسائس الشّيطان ومن مكائده، فإنّه أحرص شيء على إزاحة النّاس عن عقيدتهم ودينهم، وعلى إبعادهم عنها بكل وسيلة.

فالواجب على طلبة العلم - وهم أمل الأمّة بعد الله عز وجل في القيادة المستقبلة، وهم رجال الغدّ في أيّ جامعة تخرّجوا - أن يقودوا السّفينة بحكمة وإخلاص وصدق، وأن يعنوا بالأساس وأن يعرفوا العامل الوحيد العظيم الذي عليه الارتكاز، والذي يتبعه ما سواه، وهو العناية بتوحيد الله والإخلاص له، والعناية بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنّه رسول الله حقاً، وأن الواجب اتّباعه، والسّير في منهاجه، وأن صحابته هم خير الأمّة، وهم أفضلها، فيجب حسن الظّن بهم، واعتقاد عدالتهم، وأنهم خير الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّهم حملة السُّنَّة وحملة القرآن،

فوجب السّير على منهاجهم والتّرضي عنهم جميعاً، واعتقاد أنّهم خير الناس، وهم أفضل النّاس بعد الأنبياء.

كما ثبت في الصّحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير النّاس قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم))، وهناك أحاديث أخرى دلت على ذلك.

فأصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم، هم خير النّاس بعد الأنبياء، وهم أفضل النّاس، وهم على مراتب في الفضل،

فأفضلهم الخلفاء الرّاشدون ثمّ بقية العشرة المشهود لهم بالجَنَّة، ثم الباقون على مراتبهم، وعلى حسب علمهم وفضلهم.

فوجب أن نعني بهذا الأساس وأن ندعو النّاس إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وألاّ نغلو في القبور والأنبياء والأولياء ونعبدهم مع الله، ونصرف لهم العبادة من دعاء أو خوف أو رجاء أو نحو ذلك.



ويجب على طالب العلم وعلى القائد أن يعظّم أمر الله ونهيه، وأن يستقر خوف الله في قلبه، فوق جميع الأشياء، وأن يعظّم أمره ونهيه، وألا يبالي بما يرجف به المرجفون ضدّ الحقّ وأهله ثقة بالله، وتصديقاً لما وعد رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وكافّة الرّسل.

كما في قوله جل وعلا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}[5] الآية،

فطالب العلم العالم والموجّه، والقائد البصير لا يبالي بإرجاف عبّاد القبور، ولا بإرجاف الخرافيين، ولا بإرجاف من يعادي الإسلام من أيّ صنف، بل يصمد في الميدان، ويصبر ويعلّق قلبه بالله، ويخافه سبحانه، ويرجو منه النصر جل وعلا، فهوالنّاصر وهو الوليّ سبحانه وتعالى،

وقد وعد أن ينصر من ينصره فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[6]

ويقول سبحانه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[7]

لكن بالشّرط وهو التمسك بدين الله، والإيمان به، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، والإستقامة على دين الله.

هذا هو السّبب، وهذا هو الشّرط في نصر الله لنا، كما قال عز وجل: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ}[8].







وفي الآية الأخرى يقول سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}[9].

فهذا وعده عز وجل لمن استقام على الإيمان والهدى والعمل الصّالح: أن الله يستخلفه في الأرض ويمكّن له دينه، ويؤمّنه ويعيذه من شرّ الأعداء ومكائدهم وينصره عليهم.


ومن تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله تعظيم سُّنّته، والدّعوة إليها وتنفيذ مقاصدها، والتّحذير من خلافها، وتفسير القرآن الكريم بها فيما قد يخفى من آياته، فإنّه يفسّر بالسُّنَّة ويوضّح بها،

فالسُّنَّة توضّح القرآن وتبيّنه وتدلّ عليه، وتعبّر عنه، كما قال عز وجل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[10].


هذا الأساس العظيم يجب أن يكون منه المنطلق للدّعاة المخلصين، والمصلحين في الأرض، الذين يريدون أن يتولّوا إصلاح المجتمع والأخذ بيده إلى شاطئ السّلامة، وسفينة النّجاة، كي يرتكز هذا الإصلاح على أعظم عامل، وهو الإخلاص لله في العبادة والإيمان برسوله عليه الصّلاة والسّلام، وتعظيم أمره ونهيه، باتباع شريعته والحذر مما يخالفها.

ثم بعد ذلك ينظر في العوامل الأخرى التي هي تابعة لهذا الأساس، فيدعو إلى أداء فرائض الله من صلاة وزكاة وصوم وحج، وغير ذلك وينهى عن محارم الله من الشّرك وما دونه من سائر المعاصي والشّرور، ويسعى بالإصلاح بين النّاس بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والدعوة إلى الله وإصلاح ذات البين، إلى غير ذلك.

فهو ساع بكل جهده إلى إقامة أمر الله في أرض الله، وإلى ترك محارم الله والوقوف عند حدود الله، وإلى الحذر من البدع المحظورة في الدّين،

هكذا يكون المصلح الموفّق يأخذ العوامل عاملاً عاملاً مع مراعاة الأساس المتين، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله علماً وعملاً،

فهو يعلّمها النّاس ويعمل بها في نفسه، فيوحّد الله، ويخصّه بالعبادة وينقاد لشريعته خلف رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم،

يتلقَّى السُّنَّة ويعظّمها كما عظّمها الصّحابة، ويسير على نهجها وعلى مقتضاها مع كتاب الله كما سار الصّحابة، فإنّ علم الصّحابة من كتاب الله ومن سُنّة رسوله عليه الصّلاة والسّلام، ما عندهم كتب أخرى، وإنّما جاءت الكتب بعدهم.

أمّا الصّحابة والتّابعون فكانت سيرتهم، وكانت أعمالهم مستقاة من الكتاب العظيم، يتدبّرونه ويقرأُونه بقصد صالح، بقصد العلم وإلإفادة والعمل، ومن السُّنَّة كذلك يدرسونها ويحفظونها، ويأخذون منها العلم والعمل.


هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان التّابعون لهم بإحسان قبل وجود المؤلّفات في الحديث وغير الحديث.

فقدّر لنفسك مع أولئك، واستنبط من كتاب ربّك، وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كلام أهل العلم ما يعينك على فهم كتاب الله، وعلى فهم السُّنَّة،

وكن حريصا على العلم والفقه في الدّين حتّى تستطيع أن توجّه المجتمع إلى الطّريق السّويّ، وتأخذ بيده إلى شاطئ السّلامة،

وحتّى تعلم كيف تعمل، فتبدأ بنفسك، وتجتهد في إصلاح سيرتك ومسابقتك إلى كل خير،

فتكون مع أوّل النّاس في الصّلاة، ومع أوّل النّاس في كلّ خير، وتكون من أبعدهم عن كلّ شرّ ، تمتثل تنفيذ كتاب الله، وتنفيذ سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم في أعمالك وفي أقوالك مع زملائك وإخوانك وأعوانك.


هكذا يكون المؤمن، وهكذا كان الصّحابة رضي الله عنهم، وهكذا كان أتباعهم من التّابعين، وأتباع التّابعين والمصلحين، وأئمّة الهدى يدرسون كتاب الله، ويعملون بما فيه ويقرأُونه الناس ويعلّمونهم إيّاه، ويرشدونهم إلى معانيه، ويعلّمونهم السُّنّة ويحثّونهم على التّمسّك بها والفقه فيها، ويوصونهم بتعظيم الأوامر والنّواهي، والوقوف عند الحدود التي حدّها الله ورسوله مدّة حياتهم في هذه العاجلة.



فـكلّ عامل من عوامل الإصلاح يتطلّب إخلاصاً وصدقاً.

فالدّعوة إلى توحيد الله تحتاج إلى إخلاص وصدق وبيان معنى لا إله إلا الله،

وأنّ معناها: لا معبود حق إلاّ الله، وأنّ الواجب الحذر من الشّرك كله دقيقه وجليله، وتحذير النّاس منه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما فعل أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.

وبتدبّر القرآن العظيم يتّضح هذا المعنى كثيراً، وهكذا السُّنَّة تعظيمها والدّعوة إليها بعد الإيمان أن محمداً رسول الله، وأنّ الواجب اتّباعه وأن الله أرسله إلى النّاس كافة، عربهم وعجمهم، جنّهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم،

فعلى جميع أهل الأرض أن يتّبعوه، كما قال سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[11]

وقال قبلها سبحانه: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[12].


فمَنِ اتّبعه وعظّم أمره ونهيه فهو المفلح، ومن حاد عن ذلك وتبع الهوى والشّيطان فهو الخاسر الهالك ولا حول ولا قوة إلا بالله.


والعوامل تتعدد بحسب ما تدعو إليه، وما تنهى عنه، فأنت تجتهد في اختيار العامل الذي تقوم به العامل الشّرعي الذي عرفت أصله، وعرفت مأخذه من كتاب الله، ومن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنت تدعو النّاس إلى دين الله، وإلى أداء فرائض الله، وإلى ترك محارم الله على الطّريقة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم.





والعوامل والمجتمعات تختلف،

فالمجتمع المحارب للدّين، والذي ليس فيه قائد يعينك على الإصلاح والتّوجيه تعمل فيه كما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكّة، تدعو إلى الله بالحسنى وبالأسلوب الحسن، وبالكلمات اللّيّنة، حتّى يدخل ما تقول في القلوب، وحتّى يؤثر فيها فيحصل بذلك انجذاب القلوب إلى طاعة الله وتوحيده،

وتتعاون مع إخوانك ومن سار على نهجك في دعوة النّاس وإرشادهم بالطّرق اللّيّنة في المجتمعات الّتي يمكن حضورها حتّى يثبت هذا الإيمان في القلوب، وحتّى ينتشر بين النّاس بأدلته الواضحة.


وفي المجتمع الإسلامي، ووجود القائد الإسلامي الذي يعينك يكون لك نشاط أكثر في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والإتّصال بالمسئولين عند وجود المعاندين، والذين يخشى من عنادهم الخطر على المجتمع، وتكون مع ذلك سالكاً المسلك القويم بالرّفق والحكمة والصّبر،

كما قال عز وجل: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[13]

فلا بدّ من صبر وتواص بالحق، ودعوة إليه، حتّى تنجح في مهمّتك، وكذلك المسئولون والكبار الذين يخشى من شرّهم على الدعوة، يُنصحون بالأسلوب الحسن، ويُوجّهون، ويدعون بالكتابة والمشافهة من أعيان الأمّة ورجالها وقادتها وأمرائها،

كما قال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[14] الآية،

وكما قال سبحانه لموسى وهارون عليهما الصّلاة والسّلام لمّا بعثهما إلى فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[15].


فالواجب على المصلحين والدّعاة أن يسلكوا هذا السّبيل، وأن يعالجوا مشكلات المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يخاطبوا كل إنسان بما يليق به، حتّى ينجحوا في مهمّتهم، ويصلوا إلى غايتهم.

وعلى الدّاعي أيضا إلى الله سبحانه والرّاغب في الإصلاح أن يراعي عاملين آخرين، سوى العاملين السّابقين وهما:

-عامل التّناصح والتّواصي بالحق مع إخوانه وزملائه ومع أعيان المجتمع وقادته

عامل الصّبر على ما قد يقع من الأذى من الأعيان أو غيرهم

عملاً بما دلت عليه السّورة السّابقة وهي قوله سبحانه: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

وتأسّيا بالرّسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم في آخر سورة الأحقاف وهي مكّية: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}[16] الآية،

وقال سبحانه في سورة آل عمران وهي مدنية: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[17]،

وقال فيها سبحانه لمّا نهى عن اتّخاذ البطانة من المشركين: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[18]،

وقال سبحانه في آخر سورة النّحل، وهي مدنية أيضا: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}[19].

والآيات في هذا المعنى كثيرة.


وكلّ مَن سلك مسلك الرّسل من الدّعاة والمصلحين، نجح في دعوته، وفاز بالعاقبة الحميدة والنّصر على الأعداء ومن سبر ذلك، ودرس أخبار المصلحين وسيرتهم علم ذلك وتحقّقه،


فأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يصلح أحوال المسلمين، ويمنحهم الفقه في الدّين، وأن يوفّق قادتهم لكلّ خير، ويصلح لهم البطانة، وأن يعيذ المسلمين جميعاً في كل مكان من مضلاّت الفتن، ومن طاعة الهوى والشّيطان، إنّه ولي ذلك والقادر عليه..

وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

-----------------------------------------------------------

[1] البقرة الآية 187.
[2] ص الآية 5.
[3] الصافات الآيتان 35-36.
[4] الصافات الآية 37.
[5] إبراهيم الآيتان 13-14.
[6] محمد الآية 7.
[7] الروم الآية 47.
[8] الحج الآيتان 40-41.
[9] النور الآية 55.
[10] النحل الآية 44.
[11] الأعراف الآية 158.
[12] الأعراف الآية 157.
[13] العصر الآيات كلها.
[14] آل عمران الآية 159.
[15] طه الآية 44.
[16] الأحقاف الآية 35.
[17] آل عمران الآية 186.
[18] آل عمران الآية 120.
[19] النحل الآيتان 127-128.


http://www.binbaz.org.sa/mat/8160








عبير الإسلام

عدد المساهمات : 471
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: عوامل إصلاح المجتمع.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأحد أكتوبر 02, 2016 3:30 pm






طريقة النّصيحة لمن يجاهر بالمعاصي

رسالة وصلت من الكويت باعثها يشكو من أخ له ويقول: إنّه يقترف بعض المعاصي وقد نصحه كثيرا إلا أن الأمر آل به إلى المجاهرة ويرجو التوجيه في هذا الموضوع؟


الجواب:

الواجب على المسلمين فيما بينهم التّناصح والتّعاون على البرّ والتّقوى، والتّواصي بالحقّ والصّبر عليه، كما قال تعالى: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )[1]،

وقال سبحانه: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )[2]

وقال النّبي الكريم عليه الصّلاة والسّلام: ((الدّين النّصيحة)) قيل لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم)) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

هاتان الآيتان مع الحديث الشريف كلّها تدلّ على وجوب التّناصح والتّعاون على الخير والتّواصي بالحق.

فإذا رأى المسلم من أخيه تكاسلا عما أوجب الله عليه أو ارتكابا لما حرّم الله عليه وجب نصحه وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر حتّى يصلح المجتمع ويظهر الخير ويختفي الشّرّ كما قال الله سبحانه وتعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[3]،

وقال النّبي الكريم عليه الصّلاة والسّلام: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

فأنت أيّها السّائل مادمت نصحته ووجّهته إلى الخير ولكنّه ما زاده ذلك إلاّ إظهارا للمعصية فينبغي لك هجره وعدم اتّخاذه صاحباً.

وينبغي لك أن تشجّع غيرك من الذين قد يؤثرون عليه وقد يحترمهم أكثر على نصيحته ودعوته إلى الله لعلّ الله ينفع بذلك،

وإن رأيت أنّ الهجر يزيده شرًّا وأنّ اتّصالك به أنفع له في دينه وأقلّ لشرّه فلا تهجره. لأنّ الهجر يقصد منه العلاج فهو دواء، فإذا كان لا ينفع بل يزيد الداء داءً فأنت تعمل ما هو الأصلح من الاتّصال به وتكرار النّصيحة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من غير اتّخاذه صاحبًا ولا خليلا لعلّ الله ينفع بذلك وهذا هو أحسن ما قيل في هذا من كلام أهل العلم رحمهم الله.

-------------------------------------------------------------------

[1] سورة المائدة من الآية 2.

[2] سورة العصر كاملة.

[3] سورة التوبة من الآية 71.



مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الخامس.


http://www.binbaz.org.sa/mat/1809









عبير الإسلام

عدد المساهمات : 471
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى