منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

من خصائص ملّة إبراهيم عليه السّلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من خصائص ملّة إبراهيم عليه السّلام

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في السبت يناير 28, 2017 2:58 pm










من خصائص ملّة إبراهيم عليه السّلام

للشيخ حسن أيت علجت


مِنَ الأذْكَارِ الَّتي يُستحَبُّ للمسلم أنْ يقُولَهَا صَبَاحَ كُلِّ يومٍ، ما جاءَ في حَديثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبْزَى رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُوصِي أصحابَه رضي الله عنهم أنْ يَقُولُوا: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلاَمِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِخْلاَصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ»(1).

فجعَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «الفِطْرَةَ» للإسْلاَمِ، لأنَّه فطرةُ الله عز وجل الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عليها، كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾[الروم:30].

و«كَلِمَةُ الإِخْلاَصِ» هِيَ: «شهادةُ أن لا إله إلاَّ الله».

وجَعَلَ «الدِّينَ» للنَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لكوْنِ دِينِه هو الكَامِلُ، وشرْعِه هو التَّامُّ الجامِعُ.

ثُمَّ جعَلَ «الملَّةَ» لإبراهيمَ عليه السلام لأنَّه صاحبُ المِلَّةِ وهي: التَّوْحيدُ، وعِبَادَةُ الله تعالى وحْدَهُ لا شريك له(2).

ومعْنَى المِلَّة في اللُّغَةِ: السُّنَّة والطَّريقَة(3).

وإبراهيمُ عليه السلام هو خَليلُ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلاَ، إذْ قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾[النساء:125].

«والخُلَّةُ مَنْزِلَةٌ تَقْتَضِي إفْرادَ الخَلِيلِ بالمحَبَّة، وأَلاَّ يَكُونَ لهُ فيها مُنَازِعٌ أصْلاً ، بل قد تَخَلَّلَتْ مَحََبَّتُه جَمِيعَ أجْزَاءِ القَلْبِ والرُّوحِ، فلَمَْ يبْقَ فيها مَوْضِعٌ خَالٍ من حُبِّه، فَضْلاً عنْ أنْ يكونَ مَحَلاًّ لمحَبَّة غيْرِه»(4).

لِهَذَا قِيلَ:

قَدْ تَخَلَّـلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي** وبـذَا سُـمِّيَ الخَلـيـلُ خَـلِـيـــــلاً


وإبْرَاهيمُ عليه السلام هو أبُو الأنْبِيَاءِ، فجَميعُ مَنْ جاءَ مِنَ الأنبياءِ بَعْدَهُ هو من ذُرِّ يَّتِه، إذْ قالَ اللهُ عز وجل في شأْنِهِ عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾[العنكبوت:27].

وقدْ ذَكَرَ اللهُ تعالى في سُورَةِ الأنْعَام سِتَّةَ عشر نَبِيًّا مِنْ ذُرِيَّةِ إبْراهيمَ عليه السلام ، فقال عز وجل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِين * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِين﴾[الأنعام:84-86].

كَمَا سَمَّى اللهُ عز وجل إبْراهيمَ عليه السلام إمَامًا، وأُمَّةً، وقانِتًا، وحَنِيفًا، فقال عز وجل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾[البقرة:124]، وقال أيضا عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[النحل:120].

فـالأمَّةُ، والإمَامُ هو: القُدْوَةُ، المُعَلِّمُ للخَيْرِ.

والقَانِتُ: المُطِيعُ لله عز وجل، المُلاَزِمُ لطَاعَتِه.

والحَنِيفُ : المُقْبِلُ على الله، المُعْرِضُ عَمَّا سِوَاهُ.

وكان نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلمـ وهو خَيْرُ بَنِيهِ ـ يُجِلُّهُ، ويُعَظِّمُه، ويُبَجِّلُه، ويَحْتَرِمُهُ، فقَدْ رَوَى الإمامُ مسلمٌ في «صحيحه» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام».

ومناقِبُ هذا الإمامِ الأعْظَم، والنَّبيِّ الأكْرمِ كثيرةٌ جدًّا، كما قال الإمامُ ابن القيم في «جِلاَءُ الأفْهَام»، ووَعَد أنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا في مَنَاقِبِهِ عليه السلام (5).

من أجْلِ ذلك ، فإنَّه ما مِنْ مِلَّةٍ مِنَ الملل الأخرى إلاَّ وهِيَ تتولَّى إبْرَاهِيمَ عليه السلام، وتُحِبُّه ـ بَلْ تَدَّعِيهِ ـ ، فكذَّبَهُم اللهُ عز وجل وجعَلَهُ مُسْلِمًا حَنِيفًا، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[آل عمران:67].

وهذا مِنْ إجَابَةِ اللهِ عز وجل دُعَاءَ خَلِيلِهِ إبْراهيمَ عليه السلام، حيْثُ قال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِين﴾[الشعراء:84] ، وهو الثَّنَاءُ الحَسَنُ، والذِّكْرُ الجمِيلُ .

وهذا هو المقْصُودُ بالحَسَنة الَّتي ذكَرَ اللهُ عز وجل أنَّه آتاها إبراهيمَ عليه السلام، وذلك في قوله عز وجل: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين﴾[النحل:122]، وهو أيضًا الأجْرُ المذْكُور في قوله عز وجل: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين﴾[العنكبوت:27](6).

وقد أمَرَ  اللهُ عز وجل نَبيَّهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم باتِّباع مِلَّةِ إبْراهيمَ عليه السلام، ولم يأْمُرْهُ أنْ يتَّبِعَ مِلَّةَ أحَدٍ مِنَ الأنْبيَاءِ غيْرِه، فقال عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[النحل:123].

بَلْ أمَرَ سبحانه سَائِرَ أُمَّتِهِ صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون * وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾[الحج:77-78]، أيْ: اتَّبِعُوا والْزَمُوا مِلَّةَ أبيكُم إبراهيم(7)، وقال أيضًا عز وجل: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[البقرة:135] ، أي: بَلْ نتَّبِعُ مِلَّةَ إبراهيمَ عليه السلام.

كَمَا أنَّ اللهَ تبارك وتعالى ذمَّ مَنْ تَرَكَ هذه الملَّةَ العظيمةَ، وأعْرَضَ عنها، وعدَّهُ مِنَ السُّفهاء، فقال: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾[البقرة:130].

مِنْ أجْلِ ذلك ، تعيَّنَ على كُلِّ مُسْلمٍ مَعْرِفَةُ بعْضِ خصائِصِ هذه المِلَّةِ الإبراهيميَّةِ للُزُومِها، والاِسْتِقَامَةِ عَليْهَا.

فإلى بَيَانِ ذلك وتَفْصِيلِه:

* التَّوْحِيد:

إنَّ من أخَصِّ خصائِصِ الملَّة الإبراهيميَّة توْحِيدَ الله عز وجل، وإفْرَادَهُ بالعبادة وَحْدَهُ لا شريك له، وَالإِعْرَاضَ عَمَّا سِوَاهُ.

ويَتَبيَّنُ هذا من خِلالِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ:

ـ الأول: مَجِيءُ وَصْفٍ مُلازِمٍ لإبراهيمَ عليه السلام في القرآن العظيم وهو: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[البقرة:135]، وقَدْ بيَّن شيخُ الإسلام ابْنُ تيميَّة في «المجموع» (9 /319) معْنَى الحَنِيفِيَّة فقال: «الْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام، فَإِنَّ الْحَنَفَ هُوَ إقْبَالُ الْقَدَمِ، وَمَيْلُهَا إلَى أُخْتِهَا، فَالْحَنَفُ: الْمَيْلُ عَنِ الشَّيْءِ بِالإِقْبَالِ عَلَى آخَرَ، فَالدِّينُ الْحَنِيفُ هُوَ الإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَالإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ» اهـ.

لهذا قال اللهُ عز وجل مُخَاطِبًا نبيَّهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾[الأنعام:161-163].


ـ فقوْلُهُ عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾[الأنعام:162] ، فيه مَعْنَى الإقْبَالِ على الله عز وجل بِطَاعَتِه.

ـ وقوْلُهُ عز وجل: ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ ، فيه معْنَى الإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ.

ـ الثَّاني: تقْريرُ التَّوحيد، وبيانُهُ، والتَّمْثيلُ لمُخالِفِهِ بمَثَل السَّوْءِ في سُورَة الحَجِّ الَّتي هي سورةُ  الملَّة الإبراهيميَّة(8) ، هذه السُّورةُ العظيمةُ الَّتي ذَكَرَ اللهُ عز وجل فيها الشَّعِيرَتَيْن الخَاصَّتَيْن بهذه المِلَّة الإبراهيمية وهما: الحجُّ والأُضْحِيةُ:

ـ فـالحجُّ إلى بَيْتِ الله الحرام ـ وهو الرُّكْنُ الخامس لدين الإسلام ـ مِنْ  سُنَّة نبيِّ الله إبراهيم عليه السلام فهو الَّذي بَنَى الكَعْبَةَ البيْتَ الحرام، وأذَّن في النَّاس بالحَجِّ إليه.

ـ والأُضْحِيَةُ ـ أضحية العيد ـ هي أيضًا من سُنَّةِ إبراهيمَ عليه السلام، فهو الَّذي فَدَى اللهُ عز وجل ولَدَهُ إسماعيلَ عليه السلام بذِبْحٍ عظيم.

ثُمَّ جاء في خَاتِمَةِ هذه السُّورةِ الأمْرُ باتِّبَاعِ الملَّةِ الإبْرَاهيميَّةِ، وذلك بَعْدَ تقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والتَّحْذِيرِ من الشِّرْكِ في أثْنَائِها، لِبَيَانِ أنَّ التَّوحيدَ هو السِّمَةُ البارِزَةُ لهذه المِلَّةِ العَظيمَةِ.

فقال سبحانه في ذِكْرِ الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾[الحج:26-29].

ثُمَّ قال سبحانه في ذِكْرِ الأُضْحِيَةِ بَعْدَ ذلك بآيات: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾[الحج:36].

وذَكَرَ اللهُ عز وجل خِلاَلَ ذلك التَّوحيد، فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق﴾[الحج:30-31].

ـ الثَّالث: أنَّ إبراهيمَ عليه السلام هو الَّذي  جَعَلَ كلمَةَ: «لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ» باقِيَةً في ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القيامة ، إذْ قالَ  اللهُ عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون)[الزُّخرُف:26-28]، قال مجاهد وقتادة: «يعْنِي كَلِمَةَ التَّوْحيد، وهي: «لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ»، كلمَةً باقيَةً في عَقِبِه: في ذُرِّيَّتِه»(9).

وسبَبُ ذلك أنَّ «لا إلهَ إلاَّ اللهُ» جَمَعَتْ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْبَاتِ:

ـ فـ «لا إلَهَ»: نفْيٌ للأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللهِ عز وجل ، فهو نَفْيٌ لعِبَاَدةِ غَيْرِ الله عز وجل.

ـ و«إلاَّ اللهُ»: إثْبَاتٌ للأُلُوهِيَّةِ للهِ عز وجل ، فهو إثباتٌ لعبادة الله عز وجل.

كما أنَّ هذه الآيةَ جَمعَتْ ـ هي الأُخْرَى ـ بيْنَ النَّفْي والإثْبَاتِ المذْكُورَيْن:

ـ فالنَّفْيُ في قوله عز وجل: ﴿بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون﴾.

ـ والإثْبَاتُ في قوله عز وجل: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾.

فتبيَّنَ حينَئِذٍ أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ تضمَّنَتْ معْنَى «لا إلَهَ إلاَّ اللهُ».

ويُسْتفَادُ من هذا أنَّ التوحيدَ لا يَتِمُّ إلاَّ بالكُفْرِ بمَا سِوَى الله، والإيمانِ باللهِ وَحْدَهُ(10).

* البَرَاءَةُ من المُشْرِكين:

ومِنْ خَصَائصِ المِلَّةِ الإبراهيميَّةِ البراءةُ مِنَ المشْرِكِـيـنَ وأعْمَـالِهِمْ الـمخالِفَةِ للـتَّوحـيد، واجتنابُها ونبْذُها.

وهذه الخِصِّيصَةُ هي من لَوَازِم التَّوحِيدِ، وحُقُوقِهِ، وقد ذَكَرَ بعضُ أهل العِلْمِ أنَّه ليس في كتاب اللهِ عز وجل حُكْمٌ ـ بَعْدَ وُجوب التَّوحيد معَ تحْريمِ ضِدِّهِ ـ فيه من الأدِلَّةِ أكْثَرَ، ولا أبْيَنَ مِنْ هذا الحُكْمِ(11).

ومن ذلك ما ذَكَرَ اللهُ عز وجل مِنْ قوْلِ إبْراهيمَ عليه السلام لِقَوْمِه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُون * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين﴾[الشعراء:75-77]، وقال عنه أيضًا: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾[الأنعام:78-79]، وقال أيضًا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين﴾[الزُّخرُف:26-27].

لهذا أَمَرَ اللَّهُ عز وجل الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَتَأَسَّوْا في ذلك بِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام وَالَّذين مَعَهُ، فقال عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ﴾[الممتحنة:4].

وإنْ تعْجَبْ ، فَعَجَبٌ لِقَوْمٍ نَسَبُوا الدَّعْوةَ المشْبوهةَ الَّتي ظاهِرُها التَّقريبُ بين الأدْيَان، وباطِنُها مِنْ قِبَلِها تَمْييعُ دِينِ الإسلام، وتضْييعُه بِموالاة الكُفَّارِ الطِّغَامِ، والرِّضا بدينِهم ، نسَبُوا هذه الدَّعْوَةَ إلى دِينِ إبْراهيمَ عليه السلام، مع أنَّ حقيقَةَ دِينِه ما ذكَرْناه مِنَ البَراءَة من المشركين.

* مُنَاظَرَةُ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الباطل:

ومن خصائص الملَّةِ الإبراهيمية مُنَاظَرَةُ المشركين وأهْلِ الباطلِ، وكَسْرُ حُجَجِهِمْ، ودَحْضُ بَاطِلِهِم؛ فإبراهيمُ عليه السلام هو الَّذي فَتَحَ للأمَّةِ بابَ مُنَاظرَةِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ البَاطِلِ(12).

وقد ذكَرَ الله عز وجل مُنَاظَرتَيْ إبراهيمَ عليه السلام في القرآن:

ـ الأولى: مع إمَامِ المُعَطِّلِين وهو النُّمْرُوذ فقال عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾[البقرة:258].

ـ والثَّانية: مُنَاظرَتُه مع قوْمِه المشركين، ومن ذلك قوْلُ اللهِ عز وجل: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُون * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون﴾[الأنعام:80-82]، وقولُه سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِين* إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُون* قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِين* قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين* قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِين* قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِين* وَتَالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِين* فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُون* قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين* قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم* قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُون* قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُون* فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُون* ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُون* قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُم* أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُون* قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِين* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم* وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِين﴾[الأنبياء:51-70].

«فكَسَرَ حُجَجَ الطَّائِفَتَيْنِ بأحْسَنِ مُنَاظَرَةٍ، وأقْرَبِهَا إلى الفَْهِم وحُصُول العِلْمِ ، لهذا قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾[الأنعام:83]، قال زيدُ بْنُ أسْلَمَ وغيرُه: «بالحُجَّةِ والعِلْمِ»» اهـ(13).

وفي ذلك جاء قوْلُ شيْخِ الإسلام ابْنِ تَيْميَّة رحمه الله في «المجموع» (15 /267): «﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِير* ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيق﴾[الحج:8-9] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ﴾[الحج:11].

فِيهِ بَيَانُ حَالِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَحَالِ المتعبِّدين: الْـمُجَادِلِينَ بِلاَ عِلْمٍ، وَالْعَابِدِينَ بِلاَ عِلْمٍ، بَلْ مَعَ الشَّكِّ ، لأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةُ الْمِلَّةِ الإبراهيميَّةِ الَّذِي جَادَلَ بِعِلْمٍ، وَعَبَدَ اللهَ بِعِلْمٍ ، وَلِهَذَا ضُمِّنَتْ ذِكْرَ الْحَجِّ وَذِكْرَ الْمِلَلِ السِّتِّ.

فَقَوْلُهُ: ﴿يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ذَمٌّ لِكُلِّ مَنْ جَادَلَ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ بِالْعِلْمِ كَمَا فَعَلَ إبْرَاهِيمُ بِقَوْمِهِ» اهـ.

والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.

------------------------------------------------------------------------------

(1) صحيح: رواه أحمد وغيره. انظر: «الصَّحيحة» (2989).

(2) انظر: «جِلاَءُ الأَفْهَام» لابن القيم (ص210).

(3) «لسان العرب» لابن منظور (11 /628).

(4) قاله الإمام ابن القيم في «مفتاح دار السَّعادة» (2 /32).

(5) ومن كتابه هذا «جلاء الأفْهَام»، نقَلْتُ جُمْلَةَ هذه المناقب مع تصرُّفٍ يسير، فانْظُرْها فيه: (ص208 ـ 218).

(6) انظُرْ لبَيَانِ هذا كُلِّهِ: «تفسير الطَّبري» (6 /493)، و«تفسير ابن كثير» (6 /147).

(7) انظر: «تفسير الطبري» (18 /691).

(8) انظر «فتاوى ابن تيمية» (15 /267).

(9) انظر: «تفسير البغوي» (7 /210).

(10) انظر: «القول المفيد» للعلاَّمة ابن عثيمين (1/150 ـ ط: ابن الجوزي).

(11) انظر: «سبيل النَّجاة والفِكَاكِ» للشيخ حمد بن عتيق (ص31).

(12) انظر: «جِلاَءُ الأَفْهَام» لابن القيم (ص216).

(13) قاله العَلاَّمة ابن القيِّم  في «جِلاَءُ الأفْهَام» (ص217).

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 12»


http://www.rayatalislah.com/index.php/tawhid/item/4578-1204






عبير الإسلام

عدد المساهمات : 471
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى