منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

العَافِيَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العَافِيَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأربعاء يوليو 05, 2017 9:30 pm










العَافِيَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ

خطبة جمعة للشيخ الفاضل سمير سمراد حفظه الله ورعاه. أُلْقِيَت يوم الجُمعة 23 ربيع الثّاني 1433هـ الموافق لـ: 16مارس 2012م.

عبادَ الله! إنَّ مِن الدَّعوات العظيمة الّتي كان يُحافظ عليها النّبيُّ (صلى الله عليه وسلّم) كلَّ صباحٍ ومساءٍ، بل كان لا يَدَعُهَا كلَّ ما أَصبحَ وأَمسَى، ما ثَبَتَ مِن حديثِ عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) قال: «لم يكن رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلّم) يَدَعُ هؤلاء الدَّعَوات حين يُمسي وحين يُصبح: اللَّهمَّ إنِّي أسألك العافية في الدُّنيا والآخرة، اللّهمّ إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللّهمّ استر عوراتي، وآمِنْ رَوْعَاتِي، اللّهمّ احفظني مِن بين يديَّ، ومِن خَلْفِي، وعن يميني، وعن شمالي، ومِن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغْتَالَ مِن تحتي»[1].
وقد بَدَأَ (صلى الله عليه وسلّم) هذا الدُّعاءَ العظيمَ بـسُؤال اللهِ العافيةَ في الدُّنيا والآخرة، والعافيةُ لا يَعْدِلُهَا شيءٌ، ومَن أُعْطِيَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرة فقد كَمُلَ نصيبُهُ مِن الخير[2]، ثبتَ من حديثِ العبّاس بن عبد المطّلب (رضي الله عنه) عمِّ النّبيِّ (صلى الله عليه وسلّم) قالَ: «قلتُ: يا رسول الله! علِّمني شيئًا أسألُهُ اللهَ عزَّ وجلَّ قال: سَلِ اللهَ العافيةَ، فمكثتُ أيَّامًا، ثمّ جئتُ فقلتُ: يا رسولَ الله علِّمني شيئًا أسألُهُ اللهَ، فقال لي: يا عبّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، سَلِ اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرة»[3].
وصحَّ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (رضي الله عنه): أنَّ النّبيَّ (صلى الله عليه وسلّم) قالَ: «سَلُوا اللهَ العَفْوَ والعَافيةَ، فإنَّ أَحَدًا لم يُعْطَ بعدَ اليَقِينِ خيرًا مِن العَافيةِ»[4]. فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ العافيةَ هي: أعظمُ المواهب بعدَ الإيمان[5].
ولأهمّيةِ العافيةِ كان (صلّى الله عليه وسلّم) يسألُهَا للأحياءِ وللأمواتِ، كانَ رسولُ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) يُعَلِّمُ الصَّحابةَ «إذا خَرَجُوا إلى المقابرِ»، أن يَقُولُوا: «السَّلاَمُ على أهل الدِّيَارِ مِن المؤمنينَ والمسلمينَ ...» -إلى أن يقولَ في آخِرِ الدُّعاءِ- «أَسْأَلُ اللهَ لنا ولَكُمُ العَاِفيةَ»[6]، يقولُ العلماءُ: «وسُؤَالُهُ العَافيةَ دليلٌ على أنَّها مِن أَهَمِّ ما يُطْلَبُ وأَشْرَفِ ما يُسْئَلُ»[7]. ومعلومٌ أنَّ القبرَ أوَّلُ منازلِ الآخرةِ، «والعافيةُ للميِّتِ تَكُونُ بسلامته مِن العذاب ومُنَاقَشَةِ الحساب»[8]... العافيةُ في الآخرة تكونُ بالسّلامةِ والأَمْنِِ مِن أهوالِ الآخرة وعذابِ الآخرة.
وبعدَ أن سألَ (صلّى الله عليه وسلّم) العافيةَ في الدُّنيا والآخرة، سألَ العافيةَ في الدِّينِ والدُّنيا والأهلِ والمالِ، فقالَ: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ العَفْوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي..»، فَدَعَا (صلى الله عليه وسلّم) مرَّةً أخرى بالعافيةِ، بمعنى: السَّلامة في الدِّين والبدن والمال والأهل. وقد قدَّمَ (صلى الله عليه وسلّم) سُؤالَ العافيةِ في الدّينِ على غيرِهِ، لأنّ دينَ الإنسانِ أهمُّ مِن دُنياهُ ومُقدَّمٌ عليها، «وأعظمُ مصيبةٍ هي مُصيبةُ الدِّينِ -نسألُ اللهَ أن يُثبِّتنا على دينه الحقِّ-، فإذا أُصِيبَ الإنسانُ بدِينِهِ -والعياذُ بالله- فهذه أَعْظَمُ مُصيبةٍ»[9]. ومعنى السَّلامة في الدِّينِ: السَّلامَةُ مِن الافتنانِ وكَيْدِ الشَّيطانِ.
والحاصلُ -عباد الله!- في معنى كلمةِ العافية أنَّها: «تَأْمِينُ اللهِ لعبدِهِ مِن كلِّ نقمةٍ ومِحنةٍ، بصَرْفِ السُّوءِ عنه ووِقَايَتِهِ مِن البلايا والأَسْقَام وحِفظه مِن الشُّرور والآثام»[10]، ولخَّصَهَا بعضُ العلماء في كلمةٍ فقالَ: «العافيةُ دِفَاعُ اللهِ عن العبد»[11]. فأكثروا -عبادَ الله!- مِن سُؤالِ العافيةِ.

الخطبة الثّانية:

عبادَ الله! سنتكلَّمُ اليومَ عن العافيةِ في الدّين ، لأنّ مبنى السّعادةِ في دارِ الدُّنيا والدَّارِ الأخرى عليهَا، فنقولُ: سُؤَالُ العافيةِ في الدِّين هو: طَلَبُ الوِقايةِ والسّلامةِ، تطلبُ مِن اللهِ أن يَقِيَكَ وأن يُسَلِّمَكَ مِن كُلِّ أمرٍ يَشِينُ الدِّينَ أو يُخِلُّ بِهِ[12].
ولْتَعْلمُوا أنّ العبدَ إنَّما يَدخلُ عليهِ النّقصُ في دينِهِ ويُبتلَى ويُصَابُ من جهةِ قلبِهِ وسمعه وبصره ولسانِهِ وفَرْجِهِ خاصَّةً، يدلُّ على هذا ما ثبتَ من حديثِ شَكَلِ بنِ حُمَيد (رضي الله عنه) قال: «قلتُ: يا رسول الله! علِّمْنِي دعاءً أَنْتَفِعُ به. قالَ: «قُلْ: اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ سمعي، وبصري، ولساني، وقلبي، وشَرِّ مَنِيِّي»». قالَ وكيعٌ: «مَنِيِّي» يعني: الزِّنَا والفُجُور[13]. وفي روايةِ التّرمذيّ قالَ: «أَتَيْتُ النّبيَّ (صلّى الله عليهِ وسلّم) فقلتُ: يا رسولَ الله! علِّمْنِي تَعَوُّذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ. قالَ: فأخذَ بكفِّي، وقالَ: قُلْ: اللّهمَّ إنِّي أَعُوذُ بك مِن شرِّ سمعي....» الحديث[14].

ولنا في هذا الحديثِ وقفاتٌ تربويَّةٌ مهمّة:
ـ قولُهُ: «علِّمْنِي دعاءً أَنْتَفِعُ بهِ»، عَلِمَ هذا الصّحابيُّ(رضي الله عنهُ) منزلةَ الدُّعاء، وأنّه مِن أعظمِ العبادة، بل هو أعظمُ العبادة الّتي تُقَرِّبُ إلى اللهِ تعالى، قال (صلى الله عليه وسلَّم): «أفضلُ العبادةِ الدُّعاء»[15]. والعبادةُ عمومًا والدُّعاءُ خصوصًا لابدَّ فيهما مِن عِلْمٍ يُرجَعُ إليه، فتتعلَّمُ كيفَ تعبدُ اللهَ وبِمَ تعبدُهُ، وتتعلّمُ كيفَ تدعُو اللهَ وبم َتدعُوهُ. والعبادةُ الّتي يُحبُّها اللهُ وتُقرِّب إليه، والدُّعاءُ الّذي يُحبُّه اللهُ ويُقرِّبُ إليهِ، إنّما نأخذُهُ ونتلقَّاهُ عن رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليه وسلّمَ)، فلا طريقَ يُوصلُ إلى اللهِ ويُبلِّغُ إلى مرضاتِهِ إلاّ طريقُ الرّسولِ (صلّى الله عليه وسلَّم)، فاللهُ تعالى أَرسلَ إلينا محمّدًا (صلّى الله عليه وسلَّمَ) ليُعلِّمنا كيفَ عبادةُ الله وكيفَ دعاءُ الله، فما على المسلمِ والمسلمةِ إلاّ أن يتعلَّمُوا ما جاءَهم عن رسولِ اللهِ مِن ذلك، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[طه: 114]، قالَ العلماءُ: «ما أَمَرَ اللّهُ رسولَهُ بطلبِ الزِّيادةِ في شيءٍ إلّا في طلبِ العلمِ» [16]، وقالَ (صلّى الله عليه وسلَّم): «إنَّمَا العِلْمُ بالتَّعلُّمِ»[17].
جاء هذا الصّحابيُّ (رضي الله عنهُ) فقالَ: «علِّمنِي»، وقالَ: «علِّمْنِي دُعاءً»، وقالَ: «أنتفعُ بهِ»، فالمسلمُ إنّما يحرصُ على العلمِ ليعملَ به فينفعُهُ العلم، فهو زادُ المسيرِ إلى اللهِ وهو زادُ الآخرة، قالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الزّخرف: 72].
ومِنَ العملِ بالعلمِ: المحافظةُ على الدَّعواتِ الّتي كانَ يَدْعُو بها (صلّى الله عليه وسلَّم)، وهيَ مِن العملِ بسُنّتِهِ (صلّى الله عليه وسلَّم)، وهؤلاءِ الصّحابةُ كانوا حَرِيصِينَ على العملِ بما يبلُغُهم مِن سُنَّةِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وسلَّم)، لا يُفرِّطُونَ في ذلكَ، ثبتَ عن عبدِ الرّحمن بنِ أبي بكرة، أنّهُ قالَ لأبيهِ: «يا أبتِ! إنِّي أسمعُكَ تَدْعُو كلَّ غداةٍ –وذكَرَ الدُّعاءَ-....، فقالَ: نعم، يا بُنَيّ! سمعتُ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلّم) يقولُ بهنَّ –أي: هؤلاء الدَّعوات-، وأنا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بسُنَّتِهِ...» [18]، قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب:21].

ويقولُ هذا الصّحابيُّ (رضي اللهُ عنهُ): «فَأَخَذَ بكفِّي»، كانَ أَخْذُهُ (صلى الله عليه وسلَّم) كفَّهُ لمزيدِ الاعتناءِ والاهتمامِ بالتَّعليمِ[19]، وعليهِ فلْنحرِصْ -أيّها المسلمون!- على أن يُعلِّم بعضُنَا بَعْضًا، وأن يُوصيَ بعضُنا بعضًا بالخير، والدّالُّ على الخيرِ كفاعِلِهِ، ومِنَ الخيرِ أن يُعلِّم الواحدُ منَّا أخاه أو صاحبه أو جارَهُ أو مَن إليهِ مِن زوجٍ وولدٍ، أن يُعلّمه دُعاءً نبويًّا، وأن يُلقّنهُ كلماتٍ يدعو بها فينتفعُ بهَا، ما أسهلَ هذا وما أعظمَهُ لولا العجزُ والتّهاون والزّهدُ في زاد الآخرة.
وقولُ هذا الصّحابيّ (رضي الله عنهُ): «حتَّى حفظتها»، فيهِ: ما ينبغي أن يكونَ عليه المسلمُ مِن الحرصِ على ما ينفعُهُ، وأعظمُهُ: العلمُ الّذي يَهدي إلى اللهِ ويَهدي إلى الخير ويَهدي إلى الجنّة، هذا أعظمُ ما تحرص عليهِ أيُّها المسلم، فما ضَرَّ الواحدَ منَّا أن يُصغي إلى درسٍ أو خطبةٍ أو موعظةٍ أو نصيحةٍ، يستمعُ إليها ويُنصت بقلبهِ ويُقبِل على ما يُقالُ بكلّيّتِهِ، لا شكّ أنَّ ذلك سيَرْسَخُ في قلبِهِ ويَعِيهِ فؤادُهُ، فلا تنتهي الموعظة حتّى يفهمَهَا وتُحْدِثَ أثرًا فيهِ، وليس كمَن يحضرُ ببدَنِهِ وقلبُهُ غافلٌ لاَهٍ. هذا وإذا لم يستطع السّامعُ أن يتذكَّرَ ما سمع مِن الكلام وهو مُدرِكٌ لأهمّيّتهِ، فلا أقلَّ مِن أن يَطلبَ الإعادَةَ أو يسألَ مَن يكتبُ لهُ تلك الكلمات، فإذا كانت دُعاءً أو دعوات، فليحرصْ على أن يُقَيِّدَهَا في ورقةٍ، تكونُ مكتوبةً محفوظةً عندهُ، ويحفظُهَا شيئًا فشيئًا[20].
ومِن حرصِ الصّحابةِ (رضي الله عنهم) على العِلْمِ، ما جاءَ في «صحيحِ البخاريّ»: أنّ النّبيَّ (صلّى الله عليه وسلّم) خطبَ خُطبةً، «... فجاءَ رجلٌ مِن أهلِ اليمن فقال: اكْتُبْ لي يَا رسولَ الله!» [طلبَ أن يكتُبُوا لهُ هذهِ الخطبةَ الّتي سمعها مِن النّبيِّ (صلّى الله عليه وسلَّم)]، فقالَ (صلّى الله عليه وسلَّم): «اكْتُبُوا لأبي فُلاَن».
بعد هذه الوقفات التّربويّةِ المُهمَّةِ نرجعُ إلى الدُّعاءِ الّذي علّمَهُ النّبيُّ (صلّى الله عليه وسلَّم) لهذا الصّحابيّ، قالَ: «قُلْ: اللَّهمَّ عَافِنِي مِن شَرِّ سمعي، وبصري، ولساني، وقلبي، وشَرِّ مَنِيِّي». وفي روايةٍ قالَ: «يا نبيَّ الله! علِّمْنِي تَعْوِيذًا أَتَعوَّذُ بِهِ، قالَ: فأَخَذَ بيدي، ثمَّ قالَ: «قُلْ: أَعُوذُ بِكَ مِن شرِّ سمعي، وشرِّ بصري، وشرِّ لساني، وشِّر قلبي، وشرِّ مَنِيِّي». قالَ: حتَّى حفظتُهَا»[21]. وقولُهُ: «تَعْوِيذًا»، التَّعويذُ أو الاستِعَاذَةُ مِن جُملة الدُّعاء[22]، ومَعْنَى قولِكَ أَعُوذُ أي: أنّكَ تدعو اللهَ وتطلبُ منه أن يُعِيذَكَ، أي: أن يَحْمِيَكَ (من الحماية) ويُسلّمَكَ(من السّلامة) ويُؤمِّنكَ (من الأمن) ويدفَعَ عنكَ (من الدّفاع)، وهذه متقاربةٌ في المعنى مع كلمةِ (العافية). فسواءٌ أن تقولَ: «اللّهمَّ عافني»، أو تقولَ: «اللّهمَّ إنّي أعوذُ بكَ».
ـ تَقُولُ: «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ سمعي»، أو تقُولُ: «اللّهمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن شرِّ سمعي»: وشرُّ السّمعِ: أن يَسْتَمِعَ إلى مالا يجوزُ سماعُهُ[23]، «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ سمعي»، حتَّى لا أسمعَ بِهِ ما تَكْرَهُهُ[24]، «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ سمعي»، مِن أَن أسمعَ كلامَ الزُّورِ والبُهتان والغِيبةِ وسائرِ أسبابِ العِصيان[25]. ـ وتقولُ: «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ بَصَرِي»، وشرُّ البَصَرِ: أن يَنظُرَ إلى مالا يَحِلُّ رؤيتُهُ[26]، «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ بَصَرِي»، أي: حتىَّ لا أَرَى شيئًا لا ترضاهُ[27]. ـ وتقولُ: «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ لِسَانِي»، وشرُّ اللّسان: أن يَتكلَّمَ بما لا يَجوزُ[28]، «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ لِسَانِي»، أي: حتَّى لا أَتكلَّمَ بما لا يَعْنِينِي[29]، «اللّهمَّ عافِنِي مِن شَرِّ لِسَانِي»، أي: نُطْقِي، فإنَّ أكثرَ الخَطَايَا مِنْهُ، وهُوَ الَّذِي يُورِدُ المَرْءَ في المهالِكِ[30]، قالَ(صلّى اللهُ عليهِ وسلّم): «أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ»[31]، وَدَخَلَ عُمَرُ يومًا على أبي بكرٍ الصِّدِّيق (رضي الله عنهما)، وهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فقالَ عمرُ: «مَهْ! غَفَرَ اللهُ لَكَ. فقالَ لهُ أبو بكرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي شَرَّ المَوَارِد» [32]، وكانَ مِن أدعيةِ النّبيِّ (صلّى الله عليه وسلَّمَ): «اللَّهمَّ سَدِّدْ لِسَانِي»[33]، «اللَّهمَّ سَدِّدْ» أي: صَوِّبْ وقَوِّمْ «لِسَانِي»، حتَّى لا يَنْطِقَ إلاَّ بالصِّدْقِ ولاَ يَتكلَّمَ إلاَّ بالحقِّ[34].
ـ وتقولُ: «اللهمّ عافني مِن شرِّ قلبي»، وشرُّ القلبِ كثيرٌ، والفَسادُ منهُ، كما أنَّ الصَّلاحَ منهُ[35]، قالَ (صلّى الله عليه وسلَّمَ): «ألا وإنَّ في الجسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وهيَ القَلْبُ»[36]، تقول: «اللّهمّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِن شرِّ قلبي»، بمعنى: حتىَّ لا أعتقدَ اعتقادًا فاسدًا[37]، قالَ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء: 88-89] أي: سَالمٍ مٍن العقائدٍ الفاسدة، سالمٍ مِن الشِّرك والنِّفاق، سالمٍ من الأهواءِ والشُّبهات، ومن كلِّ زيغٍ وانحرافٍ.
تقولُ: «اللّهمَّ عافِنِي مِن شرِّ قلبي» بمعنى: أن لا يكونَ فيهِ نحوَ أَحَدٍ حِقْدٌ وحَسَدٌ[38]، فالنَّفسُ المُعبَّرُ عنها بالقلبِ كثيرًا ما تَجْمَعُ هذه الأمراض القلبيَّة مِن نحوِ حَسَدٍ وحِقْدٍ[39] وترفّعٍ وتكبّرٍ وتعاظُمٍ وغيرِ ذلك. وكان مِن أدعيةِ النّبيِّ (صلّى الله عليهِ وسلَّمَ): «اللّهمّ اسْلُلْ سَخِيمةَ قلبي»[40]، «اسْلُلْ»، أي: أَخْرِجْ والسَّخِيمَةُ في الأصل السَّوَادُ، وهي هُنَا: الضّغينةُ والحِقْدُ في النَّفسِ، «سَخِيمَةَ قلبي»، أي: غِشَّهُ وغِلَّهُ وحِقْدَهُ وحَسَدَهُ ونحوَها ممَّا يَنْشَأُ مِن الصَّدْرِ ويَسْكُنُ في القلبِ مِن مَسَاوىءِ الأخلاق[41].
تقولُ: «اللّهمَّ عافِنِي مِن شرِّ قلبي»، بمعنى: أن لا يكون فيه ميلٌ إلى المُحرَّمات وعزمٌ على فعلِ الخطِيئات، فالنّفسُ المعبَّرُ عنها بالقلبِ هيَ مَجْمَعُ الشَّهواتِ والمفاسد[42]، وفي الحديث: «...والنَّفسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي»[43]، وفي الحديثِ الآخَر: «والقَلْبُ يَهْوَى ويَتَمَنَّى»[44]، فكثيرًا ما تَعزمُ النّفسُ ويُصَمِّمُ القلبُ على فعلِ سيّءٍ مذمومٍ[45]، فأنتَ تسألُ اللهَ أن يَدفعَ عنكَ العزمَ والتّصميمَ على فعلِ السُّوء. وكان مِن أدعيةِ النّبيِّ (صلّى الله عليهِ وسلَّمَ): «اللّهمَّ اهْدِ قَلْبِي»[46]. - وتقولُ: «اللّهمَّ عافِنِي مِن شرِّ مَنِيِّي»، أو تقولُ: «اللّهمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن شرِّ منيِّي»، فسَّرهُ أحدُ رواةِ الحديثِ فقالَ: «مَنِيِّي» يعني: الزِّنا والفُجُور، أي: يريدُ بذلكَ شرَّ فَرْجِهِ[47]. فأنتَ تستعيذُ مِن شرِّ مَنِيِّكَ، وهو أن يَغْلِبَ عليكَ (أي: تَغْلِبُ عليكَ الغَريزةُ) حتىَّ تَقَعَ في الزِّنا أو مُقَدِّمات الزِّنا[48].
عبادَ الله! هذه الأُمورُ الّتي ذُكِرَت في هذا الدُّعاءِ هي أَصْلُ كُلِّ شرٍّ[49]، فإذا عُوفِيَ الإنسانُ مِن شرِّها حَصَلَ لهُ الأمنُ وأحاطت به السّلامةُ. فاحرِصُوا -باركَ اللهُ فيكم- على الدُّعاء بهذه الكلماتِ الجامعَاتِ، فلا عاصمَ للعبدِ إن لم يَعصِمْهُ مَولاهُ، ولا حافظَ لهُ إن لم يَرْعَهُ الحفيظُ جلَّ وعلاَ. فهذا -عباد الله!- دعاءٌ عظيمُ ينبغي العنايةُ به وحفظُهُ والإكثارُ مِن الدُّعاء به.

---------------------------------------------------------------------------------

[1] - «صحيح الجامع»(1274).

[2] - «فقه الأدعية والأذكار» للشّيخ عبد الرّزّاق البدر.

[3] - «صحيح الجامع»(7938).

[4] - «صحيح الجامع»(3632).

[5] - «فيض القدير» للمُناويّ.

[6] - «أحكام الجنائز»(ص189-190).

[7] - «سبل السّلام» للصّنعانيّ.

[8] - «سبل السّلام» للصّنعانيّ.

[9] - «شرح رياض الصّالحين» للشّيخ ابن عثيمين.

[10] - «فقه الأدعية والأذكار» للشّيخ عبد الرّزّاق البدر.

[11] - «فيض القدير» للمُناويّ.

[12] - «فقه الأدعية والأذكار» للشّيخ عبد الرّزّاق البدر.

[13] - «صحيح الأدب المفرد»(516/663)، و«صحيح الجامع»(1292) و(4399).

[14] - «صحيح الترمذيّ»(2775).

[15] - «صحيح الجامع»(1122).

[16] - «البحر المحيط».

[17] - «صحيح الجامع»(2328).

[18] - «صحيح الأدب المفرد»(542/701).

[19] - «تحفة الأحوذيّ».

[20] - «شرح رياض الصّالحين» للشّيخ ابن عثيمين.

[21] - «شرح السّنّة» للبغويّ.

[22] - «شرح الشّيخ العبّاد على سنن التّرمذيّ».

[23] - «شرح العينيّ على سنن أبي داود».

[24] - «تحفة الأحوذيّ».

[25] - «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح».

[26] - «شرح العينيّ على سنن أبي داود».

[27] - «تحفة الأحوذيّ».

[28] - «شرح العينيّ على سنن أبي داود».

[29] - «تحفة الأحوذيّ».

[30] - «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح».

[31] - «صحيح الجامع»(1201).

[32] - «صحيح التّرغيب والتّرهيب»(2873).

[33] - «صحيح الأدب المفرد»(664و665).

[34] - «عون المعبود».

[35] - «شرح العينيّ على سنن أبي داود».

[36] - رواه البخاريّ ومسلم.

[37] - «تحفة الأحوذيّ».

[38] - «تحفة الأحوذيّ».

[39] - «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح».

[40] - «صحيح الأدب المفرد»(664و665).

[41] - «عون المعبود».

[42] - «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح».

[43] - متّفقٌ عليه. انظر: «إرواء الغليل»(1787).

[44] - «صحيح التّرغيب والتّرهيب»(1904).

[45] - «تحفة الأحوذيّ».

[46] - «صحيح الأدب المفرد»(664و665).

[47] - «تحفة الأحوذيّ».

[48] - «تحفة الأحوذيّ».

[49] - «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح».


http://www.ilmmasabih.com/index.php/khotob/item/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8E%D8%A7%D9%81%D9%90%D9%8A%D9%8E%D8%A9%D9%8F-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%8E%D8%B9%D9%92%D8%AF%D9%90%D9%84%D9%8F%D9%87%D9%8E%D8%A7-%D8%B4%D9%8E%D9%8A%D9%92%D8%A1%D9%8C









عبير الإسلام

عدد المساهمات : 666
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى