منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

إتحاف البشر بشرح حديث حذيفة بن اليمان [إنا كنا في جاهليةٍ وشر]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إتحاف البشر بشرح حديث حذيفة بن اليمان [إنا كنا في جاهليةٍ وشر]

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في السبت مايو 16, 2015 11:59 pm



بسم الله الرّحمن الرّحيم

إتحاف البشر بشرح حديث حذيفة بن اليمان

]إنا كنا في جاهليةٍ وشر]

وهو الشرح المنهجي التأصيلي القيم لفضيلة الشيخ:

عبيد بن عبد الله الجابري حفظه الله


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله{ يَأَيُّهَا الذِين ءامَنُوا اتَّقُوا الله َحَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنِّ إِلا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ}{يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِساءاً وَاتَّقُوا الله الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام إَنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَاَ}{ يَأَيُّهَا الذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاًَ سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنٍ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَاًَ}.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخيرَ الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعةٍ ضلالة وكلَّ ضلالةٍ في النار، ثم أما بعد:-

فيا أيها السامعون من المسلمين والمسلمات: أظنكم أدركتم أن موضوع الحديث إليكم هو في غاية الأهمية والخطورة؛ وما ذلكم إلا لأنه شرح حديثٍ هو من جوامع الكلم التي أعطيَها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقبل أن أحلل جمل الحديث وأستنبط ما تيسر لي مما تضمنه من قواعد وأصول، أطلبُ إلى أحدِ الأبناء الحاضرين معنا في المجلس أن يقرئه من صحيح البخاري:
تفضل:
قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب المناقب/ الباب الثاني والعشرين:

" حدثنا يَحيَى بن مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا الوَلِيدُ،قال: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الحَضْرَميُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْريسَ الخَوْلانيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَة بن اليَمَانِ -رضي الله عنه- يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وآله وسلم- عَنِ الخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَََيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ{نَعَمْ}، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِك الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟قَالَ: {نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ}، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُه؟ قَال:{قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَديِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ}، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْد ذَلِكَ الخَيْرِ مَنْ شَرٍّ؟ قَالَ: {نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْها قَذَفُوهُ فِيهَا} قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: {هُمْ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِألْسِنَتِنَا} قُلْتُ: فَمَا تأْمُرُنِي إِن أَدْرَكَنِي ذلك؟ قَالَ: { تَلْزَمْ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإِمَامَهُمْ} قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَام؟ قَالَ: {فَاعْتَزِلْ تِلْكِ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ}".

هذا لفظ البخاري من كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام .

فما لفظه عند الإمام مسلم؟ وقد أخرجه في كتاب الإمارة من صحيحه.

تفضل:

قال الإمام مسلم- رحمه الله تعالى- تحت باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة :

قال:"حَدثني مُحَمَّدٌ بْنُ المُثَنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الحَضْرَمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الخَوْلانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنُ اليَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُون رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍِ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:{نَعَمْ} فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ:{ نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ} قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ:{ قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، ويَهْتَدُونُ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ} فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:{نَعَمْ؛ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمْ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا} فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ:{ نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِألْسِنَتِنَا} قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ:{ تَلْزَمْ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ } فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ:{ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَك المَوْتُ وَأنْتَ عَلَى ذَلِكَ}".

أيها السامعون والسامعات من المسلمين بان لكم من عرض هذا الحديث بلفظيه عند الشيخين أن هذا الحديث يشتمل على أبوابٍ من الفقه عظيمة، وعلى أصول وقواعد في السنة جليلة، وكان هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ بعثه الله حتى توفاه وهو يقرر أصول هذا الدين، ويقرر ما يجب على العباد فعلا وتركاً، حتى ترك هذه الأمة على البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولعلنا- إن شاء الله- نأتي على كل مضمون الحديث أو جله، سائلين الله لنا ولكم العون والسداد والهداية إلى مراشد الأمور.

أولاً: انظروا إلى حرص حذيفة- رضي الله عنه- وعمق علمه وغزاة بصره وبصيرته

كيف سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عما يجب حذره وتوقِّيه من الأمور ألا يَبِينُ لنا من ذلك أنه يجب على المسلم أن يحرص مع الحرص على ما ينفعه، كذلك يحرص على ما يضره في دينه!.

وإذا لاحظنا قول حذيفة -رضي الله عنه- " كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني" ليس هذا قصوراً من حذيفة -رضي الله عنه- إذ سأل من نبيه -صلى الله عليه وسلم- بيان جانب من جوانب الدين، ولكنه بما أنه رأى إخوانه من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إقبالهم على الفقه في معرفة الخير والعمل به، رأى أن يتفقه هو وغيره أيضاً إلى جانب ذلك في علم ما يضر والوقاية منه؛ ألا ترون أنه قال:" مخافة أن يدركني" وليس هذا غريباً!

أولاً: كان ذلك هدي النبي-صلى الله عليه وسلم- وهدي إخوانه قبله من النبيين والمرسلين؛ يدل لذلك ما رواه أحمد ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:{إنه لم يكن نبيٌ قبلي قط إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم}.

ثم ثانيا: قد كان من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من يحرص كل الحرص على معرفة ما يجب توقيه إلى جانب معرفة ما يجب عمله؛ لأنه متقررٌ عند القوم أن الشرع مبناه على الأوامر والنواهي، فما أمر الله به العباد أحب منهم فعله، وما نهاهم عنه أحب منهم تركه، من ذلكم ما رواه الترمذي وصححه عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله دلني على عملٍ يقربني من الجنة ويبعِّدُني من النار، قال:{ يا معاذ لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على من يسّره الله عليه؛ تعبدُ الله ولا تشرك به شيئا، وتقيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصومُ رمضان، وتحج البيت} الحديث.

وفي حديث وفد عبد القيس الذي أخرجه الشيخان عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنهم قالوا:" يا رسول الله: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، فمرنا بأمرٍ فصل نخبر به من ورائنا وندخل به الجنة- أمر فصل- تنبهوا- أمر فصل- قال:{ آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع ؛ آمركم بالإيمان بالله وحده }- ثم قال:-{ أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟} قالوا الله ورسوله أعلم- ثم فسره فقال:- { شهادة أن لا إله إلا الله}- أو قال:- {تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيمون الصلاة، وتؤتون الزكاة، وتصومون رمضان ، وأن تعطوا خُمُس ما غنمتم } الحديث.

والمقصود –يا بني من المسلمين والمسلمات أن شريعة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ودعوته شاملةٌ للحض على كل ما أمر الله به، وأعظمُ ذلك توحيد الله وإخلاص الدين له، ثم من بعد سائر فرائض الدين العملية، كما أنها شاملةٌ للنهي عن كل ما يغضب الله عز وجل- وإن شئت فقل- شاملة بأنها تدعوا العباد إلى الكف عن كل ما نهى الله عنه، وأعظم ما نهى الله عنه هو الشرك بالله عز وجل ثم بعدُ سائر المعاصي ومنها البدع والمحدثات في دين الله.

وما أحسنَ ما قاله شيخ الإسلام المجدد الثالث للدعوة السلفية الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- الذي ناصره على هذا التجديد وهذه الدعوة الإمام الأمير محمد بن سعود- رحمه الله- قال الشيخ في بعض رسائله:

"وأصل الدين وأساسه أمران:-

الأمر الأول: الدعاء إلى عبادة الله وحده والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.

والأمر الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله ، والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله".

وشواهد ما قدمناه من الجمل وأدلته أكثر من أن يحصر، ولكني اكتفيت هاهنا بالإشارة.

ثم ماذا يفيد صنيع حذيفة هذا -رضي الله عنه-؟!

إنه تنبيهٌ إلى أمرٍ يغفُل عنه كثيرٌ من الناس أو يقصرون فيه، وذلكم الأمر هو الالتجاء إلى أهل العلم المعروفين بسداد المنهج وسلامته وصحة المعتقد والنصح للأمة ومن أوتوا رسوخاً في العلم وفقهاً في دين الله؛ لأن أولئك القوم هم أهل ميراث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عليه الصلاة والسلام:{وإن العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر}.

فبان بهذا أن على المسلمين إذا نزلت بهم نازلة أو خافوا أمراً يضرهم في دينهم أن يلتجئوا إلى أهل العلم الذين يحسنون الفصل في المعضلات وحل المشكلات وفق الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وهم:
أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأئمة التابعين ومن بعدهم ممن هو على سنتهم ونهجهم.

ثم انظروا في أسئلة حذيفة -رضي الله عنه- قال:" إنا كنا في جاهليةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير"

هذه المقدمة تشتمل على شيئين:

أحدهما: التحذير من سلوك مسلك الجاهلية، والجاهلية: ما سبق دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أمر الناس من أمر قريشٍ ومن دان دينها، من الوثنية، والانحراف عن التوحيد، فهو قال:" كنا في جاهليةٍ وشر" وهذا غاية التنفير من أعمال الجاهلية، وأنه يجب على المسلم أن يفر من كل ما هو شرٌ على دينه من قريب أو من بعيد.

والشيء الثاني في قوله:" فجاءنا الله بهذا الخير" وهذا إعلان الشكر لله والاعتراف بفضله ومنِّه عليه وعلى إخوانه من المؤمنين أن هيأ الله لهم ديناً يخرجهم به من الظلمات إلى النور، ويهديهم به سبل السلام، فكل ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم- هو خير، وضده كل ما جاء به غيره صلى الله عليه وسلم من البشر.

وهنا ثلاث قواعد- أو هنا ثلاثةُ موازين- لمن قعَّد للناس قواعد وأنشأ لهم أقوال تُعرض عليها تلك القواعد والأقوال التى أنشأها البشر.

وإن شئت فقل: إن ما ينشئه البشر ويقعدونه ويؤسسونه للناس يجب أن يعرض على ميزان الشرع، وسيكون بعد عرضه على هذا الميزان الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ثلاثة أحوال:-

الحال الأولى:- موافقة الشرع: فهذا يجب قبوله.

الثاني:- مخالفة الشرع: وهذا يجب طرحه ونبذه مهما يكن صاحبه.

والثالث :- أن لا يوجد لهذه القاعدة أو القول المؤسَّس في الشرع مخالف ولا موافق : فهذه أقل أحوالها أن يكون الناس منها في سعة.

وليكن معلوماً لديكم يابني من المسلمين والمسلمات أنَّا لا نحرض على إنشاء الأقوال وتأسيس القواعد؛ لأن الله عز وجل جعل في ما جاء به محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- الغنية والكفاية { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً}.

لكن إذا ابتلينا بقواعد مؤسَّسة وأقوال منشَأة هذا هو ميزانها عندنا:شرع الله؛ الكتاب والسُنة، النص والإجماع، فمن وافق نصاً أو إجماعاً قبلنا منه، ومن خالف نصاً أو إجماعاً رددنا عليه.

قال:" فهل بعد هذا الخير من شر؟" هذا هو السؤال الأول، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- {نعم}.

- ثم تابع الصحابي الجليل الفقيه الحذِر من كل ما يضره في دينه-

"وهل بعد هذا الشر من خير"؟ قال:{ نعم، وفيه دخن } -يعني- إسلام خالص، شر ثم بعد ذلك إسلام أو دين فيه دخن.

وأقول: من هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحذير أمّته من أمورٍ وأهواء مخالفة لما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، ولعل حذيفة سأل هذا السؤال بما فهمه من هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنه التحذير من كل ما هو قادمٌ على الأمة وعاصفٌ بها من الأهواء والمحدثات ومضلات الفتن.

قال:"وما دخنه؟" فقال- ما سمعتم- {قومٌ يهدون بغير هديي، ويستنُّون بغير سُنّتي}.

والحاصل من اللفظين أن رسول -صلى الله عليه وسلم- أبان معنى هذا الدخن؛ الخلط في هذا التدين، فأولئك القوم -أصحاب الدخن- هذه صفاتهم؛ لا يهتدون بهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يستنون بسنته يعرف المرء منهم وينكر، تظهر منهم أمورٌ حق وأمور باطلة.

وهاهنا لا بد من بيان أمرين:-

الأمر الأول:ما أجملته من تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمّة من الأهواء والفتن المضلة، فالعارف بسنته الخبير بهديه يدرك ذلك.

حذّر صلى الله عليه وسلم من المسيح الدجال الكافر الأعور، وكرر وأكَّدَ، وأبدأَ القول فيه وأعاد، وذكر أوصافه حتى قال قائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن كنا لنظنه في طائفة النخل" يظنوه قريباً. وأمرهم كيف يتوقون منه. حذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك من الخوارج الذين من أصولهم: التكفير بالكبيرة، وتوعدهم بالقتل وأمر بقتلهم وقتالهم في ما هو مستفيضٌ من حديثه صلى الله عليه وسلم، إن لم يكن متواتراً، ووعد على قتالهم بالأجر، وأخبر أن من صفاتهم: أنهم يدعون أهل الأوثان ويقتلون أهل الإسلام.

ومن صفاتهم التعبدية قال:{ تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم}.

ونهاية حالهم:{ يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية } ولم يكونوا في عهده، كما أن الدجال لم يكن في عهده، ولم يظهر حتى الآن، وهو ظاهر.

حذر صلى الله عليه وسلم من القدرية، وأخبر أنهم مجوس هذه الأمة؛ والقدرية هم القائلون: لا قدر والأمر أُنـُف! وقد ظهرت القدرية في آخر عصر الصحابة ، وظهرت الخوارج ذات الشوكة والراية والمنَعَة قبلها ؛ في خلافة علي -رضي الله عنه- وقاتلهم علي -رضي الله عنه- بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم -يعني- بما جاء في سنته من الأمر، ومعه الصفوة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعين حتى أراح الله أهل الإسلام من شرهم على يدي رابع الخلفاء الراشدين: على بن أبي طالب- رضي الله عنه- ومن معه من المسلمين.

وحذر صلى الله عليه وسلم من الروافض في حديثٍ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه صحيح بمجموع طرقه، وذلكم الحديث:{يخرج قومٌ لهم نبزٌ يقال لهم الرافضة، إذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون}.

ولتعلموا أيها المسلمون: أن هذا وأمثاله هو لإمام المسلمين وليس لعامة الناس، فليس لأحدٍ من الناس أن يخطرط سيفه،أو يتوشح بندقيته ويقتل بحجة أن هذا رافضي أو أن هذا خارجي أو أن هذا كذا، أو أن هذا كذا، هذه للإمام؛ من ولاه الله الأمر؛ أمر المسلمين، وهو منهم.

وحذر صلى الله عليه وسلم تحذيراً من أهل الأهواء عموماً؛ من ذلكم ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:{سيكون قومٌ}- أو ناسٌ- {يُحدّثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباءكم فإياكم وإياهم}. وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم:{افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة} قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:{الجماعة} قال عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه- في تفسير هذه الرواية:" الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك،فإنك أنت حينئذٍ الجماعة". هذه الرواية صحيحة، وفسرها ابن مسعود -رضي الله عنه- بما سمعتم، وثمةَ رواية أخرى يصححها بعض أهل العلم لشواهدها؛ "قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:{مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي}.

والمقصود: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حذر هذه الأمة من كل ما يفسد عليها دينها؛ تحذيراً عاماً وتحذيراً خاصاً؛ وذلك حتى يكون الدين خالصاً لله وحتى تكون السنة لا تخالطها شائبة البدعة.

ثم يتابع -رضي الله عنه- الأسئلة؛ قال: "وهل بعد ذلك الخير من شر؟" قال:{ دعاةٌ على أبوابِ جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها}.
ثم استوضح -رضي الله عنه-: "فصفهم لنا يا رسول الله" قال:{ هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا}.

فما الذي يستفاد من جوابي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على هذين السؤالين؟

تأملوا أيها المسلمون والمسلمات.

وقد نسيت الشيء الثاني، أعود إليه؛ وعدتُكم على السؤال السابق بشيئين وكدت أنسى الشيء الثاني، لكني تذكرته -ولله الحمد-.

لقد اتخذ الحركيون والحزبيون من أهل الأهواء في زماننا حجةً على تسويغ الموازنات، والموازنات عندهم هي:-

ذكر حسنات المبتدع إلى جانب سيئاته؛حتى تنغمر السيئات في الحسنات، وشاهدهم في قوله:{تعرف منهم وتنكر} ونحن نجيب على هذه الشبهة بجوابين.

الجواب الأول: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حذر من أهل الأهواء- وقد عرفتم- وأمر بقتل بعضهم، فأين الموازنة؟!

وثانياً: المفترض أن يُردَّ مجمل هذا الحديث على مُفصّل السنة؛ فمفصل السنة أبان ما يجب على المسلم أن يقفه من أهل البدع، وكيف يتعامل معهم- وما أكثر النصوص في ذلك- لكني أذكر حديثاً واحداً، وهذا الحديث في الصحيحين، وهو متضمن توبة كعب ابن مالك وصاحبيه -رضي الله عنهم- حين تخلفوا عن غزوة تبوك وكيف عاقبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هجرهم خمسين ليلة وأمر بهجرهم وهجرهم الناس وأمر أن تفارقهم نسائهم، حتى ضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت،وكان كعبٌ -رضي الله عنه يقول: "والله ما بي إلا أن أموت، أو يموت رسول الله -صلى عليه وسلم- وأنا على تلك الحال" خشي أن يموت هو أو يموت رسول الله وهو مهجور، لأنه لو مات هو -رضي الله عنه- مات مهجوراً ومات ضالاً مضلاً، إلا أن يُنزل الله عنه عفوه، ولو مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لبقي مهجوراً حتى يموت هو؛ لأنه ينقطع الوحي بموت النبي -صلى الله عليه وسلم- وما من أحدٍ من المسلمين ينكر حسنات أولئك وفضائلهم الجمة على أهل الإسلام، فأين ذهبت؟ هذا دليلٌ قاصم للموازنات المزعومة؛ فكعبٌ وصاحباه لم يكونوا مبتدعين ولكنهم خالفوا؛ عصوا الله ورسوله فعاقبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى} وأحيلكم أيها المسلمون والمسلمات على الجزء العاشر من مجموع الفتاوى لابن تيمية، وأظن الصفحة: (773) والعنوان: (قاعدة شريفة)، وخلاصة هذه القاعدة أنه: "من أضر الناس في دينهم أو دنياهم وجبت عقوبته بقدر مضرته".

ثم نعود إلى السؤالين، قال: "هل بعد ذلك الخير من شر؟" قال:{نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها} ثم سأل" صفهم لنا " حذيفة -رضي الله عنه- يريد أن يستجلي هؤلاء؛ هل هم مسلمون؟ هل هم كفار؟ من أولئك الذين هم دعاةٌ على أبواب جهنم بأقوالهم أو بأفعالهم؛ يهدون من تبعهم على هديهم إلى جهنم -يقذفونهم في جهنم- من هم؟ صفهم لنا؟ فماذا كان الوصف؟ قال:{هم قومٌ من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا}
إذاً
هؤلاء مسلمون لسانهم لسان المسلمين وأوصافهم أوصاف المسلمين، مسلمون في الظاهر وأسمائهم أسماء المسلمين، فليسوا أجانب ولا غرباء على أهل الإسلام، فمن هم إذاً؟ هم أهل البدع- في الحقيقة- أهل البدع والمحدثات التي أضلت الناس، وأحدثت لهم في دين الله ما لم يشرعه الله؛ دعاةٌ على أبواب جهنم، ولا تظنوني يا بني من المسلمين والمسلمات أني أنزل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- على فئةٍ معينة، بل أقول: على سبيل العموم، ألم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- {كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار}! وقال صلى الله عليه وسلم: {ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم شيئاً}! وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:{وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين} فأئمة الضلال هم دعاةٌ على أبواب جهنم.

ومن الضلالات التي هي دعوة إلى أبواب جهنم - تقذف في جهنم- الدعوة إلى وحدة الأديان!

وأن كلاً من اليهودية والنصرانية ديانات سماوية مثل الإسلام! وأنه يجب على هذه الديانات الثلاث الوقوف صفاً واحداً في وجه الإلحاد والإباحية!!

ونحن نناقش هذه الدعوة بمناقشاتٍ عدة:

فنقول أولاً: من أين لكم أن اليهودية والنصرانية ديانات سماوية مثل الإسلام؟ {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ودونكم وذلك خرق القتات،وإن تمحَّلتم، ولن تخدعونا-بعون الله- قلنا لكم: ما بعث الله نبياً ولا رسولاً-من لدن نوح أول النبيين والمرسلين، إلى محمد خاتمهم -صلى الله وسلم على الجميع- إلا بالإسلام؛ واسمعوا:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ} وقال:{وَمَنٍ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَنٍ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ}.ونزيدكم وضوحاً فنقول: اسمعوا: قال جل ثنائه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.
وقال جل في علاه:{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنٍ قَبْلِكَ مِنٍ رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ}.
وفي صحيح البخاري:{إنا معشر الأنبياء أولاد عَلاّت؛ ديننا واحد وأمهاتنا شتى} فهل يقول عاقلٌ بعد هذا أن اليهودية والنصرانية ديانات سماوية!؟ بل بان أن الله ما بعث موسى -صلى الله عليه وسلم- إلا بالإسلام ولم يبعثه بغيره، كما بان أيضاً أنه جل وعلا ما بعث عيسى بن مريم -صلى الله عليه وسلم- إلا بالإسلام ولم يبعثه بغيره.

فاليهودية إذاً:- طائفة من بني إسرائيل هم محرِّفة التوراة.

كما أن النصرانية:- علمٌ على طائفةٍ أخرى من بني إسرائيل هم محرفة الإنجيل.

ولقد حذر أئمة الهدى من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من البدع والمحدثات، وأبانوا خطرها على أهل الإسلام؛ قال الفاروق -رضي الله عنه-:" إياكم وأهل الرأي؛فإنهم أعيتهم أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا". وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-:" والله ما أظن أن أحداً أحبَّ إلى الشيطان هلاكاً مني اليوم؛ فقيل وكيف؟ قال: تحدث البدعة في المشرق أو المغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فتُردُّ عليه".

وقال الشعبي -رحمه الله- : إياكم والمقايسة؛ فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالقياس - يعني الرأي المجرد عن النصوص أو الرأي الخاطيء في فهم النصوص- فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالقياس لتحرمنَّ الحلال ولتحلنَّ الحرام، فما بلغكم عن من حفظ من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فخذوه- أو قال- فخذوا به".

وقال مصعب بن سعد -رحمه الله- "لا تجالس مفتوناً؛ فإنه لن يُخطئك منه إحدى اثنتين؛ إما أن يفتنك فتتابعه أو يؤذيك قبل أن تفارقه". ومن أراد الاستزادة والتفصيل في هذا فليقرأ هذه الكتب على سبيل المثال:-
(السنة) لابن أبي عاصم.
و(السنة) لعبد الله بن أحمد.
و(الإبانة) لابن بطة العكبرى.
و(شرح أصول الاعتقاد) لللألكائي. وغيرها...
فإنه يجد في هذه الكتب وما ماثلها أن أئمة الإسلام حرصوا على التصفية والتربية، أو التربية والتصفية.

فالتربية هي: تعليم الناس دين الله من الكتاب والسنة وفق سيرة السلف الصالح.
والتصفية هي: تخليص هذا الدين من شائبة الشرك والبدعة وسائر المعاصي.

بان بهذا أوصاف القوم الدعاة إلى جهنم القاذفين فيها.





عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: إتحاف البشر بشرح حديث حذيفة بن اليمان [إنا كنا في جاهليةٍ وشر]

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأحد مايو 17, 2015 12:10 am



فبقي من الأسئلة قوله:" فما تأمرني إن أدركني ذلك؟"وفي رواية" فما ترى؟"

عرف حذيفةُ -رضي الله عنه- الفتن المضلة والحوادث الجارفة التي تفتن المرء في دينه وتلبس عليه ما بعث الله به محمداً -صلى الله عليه وسلم- حتى تظهر السنة في قالب البدعة والبدعة في قالب السنة؛ من أثر الدعوات المضللة فأراد الخلاص، كيف الخلاص من هؤلاء الدعاة؟ ما الرادع لهم؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله: {تلزم جماعة المسلمين وإمامهم}وهذا دليلٌ على أن الراية التي يرفعها أميرٌ مسلم هي سبيلٌ من سبل النجاة، وأن الحكومة المسلمة هي طريق الخلاص من الفتن؛ لأن بها تجتمع الكلمة وبها يُنصر المظلوم ويُردع الظالم وبها تأمَّنُ السبل وتُعاد الحقوق المغصوبة إلى أهلها.

وإذا لم يكن حكومة: شاعت الفرقة والفوضى وصارت الغلبة للقوة لا للحق. قال:{تلزم جماعة المسلمين وإمامهم}

وجماعة المسلمين هم: الجماعة الذين اجتمعوا على أميرٌ لهم وبايعوه خاصتهم وعامتهم على الكتاب والسُنّة، ونحن هنا في أرض الحرمين وما جاورها من الجزيرة العربية -المعروفة اليوم بالمملكة العربية السعودية- جماعة مسلمين -ولله الحمد- لأنه من عهد الإمامين المجددين- التجديد الثالث للدعوة السلفية- كان الناس على هذا؛ المجدد الداعية المربي على الكتاب والسُنّة والتوحيد هو الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ومن بعده من أبنائه وأحفاده وإخوانه من أئمة الإسلام وأئمة الدعوة، والإمام المناصر المعاون المنافح عن هذه الدعوة المجاهد في سبيلها وفي سبيل عزتها هو الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- رحم الله الجميع ومن خلفه من ذريته-
والتجديد الرابع هو: عهد الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن -رحمه الله- ومن معه من أئمة الدعوة، وهذه مِنة منَّ الله بها علينا يجب علينا شكرها جعلنا الله جماعة مسلمين، نحن جماعة مسلمين؛لأنا اجتمعنا على أميرٍ بايعناه خاصتنا وعامتنا؛ الخلف والسلف منا على الكتاب والسنة، هذا هو وصف جماعة المسلمين وإمامهم {تلزم جماعة المسلمين وإمامهم} لأنها هي جماعة الحق سواءً كانت قليلة أو كثيرة، وسواءً كانت عامة أو خاصة في قطر أو أقطار، هم أهل الحق، ومن عداهم من أهل الفتن والفوضى هم أهل الباطل، وإن كانت لهم شوكة،فليس العبرة بكل شوكة، العبرة بالإصابة؛ إصابة الحق، العبرة إصابة الحق، وما أحسن ما قاله الفُضيل بن عياض -رحمه الله-"عليك بطرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين".

هنا أمر هامٌ جداً؛ فلم تكن جماعة المسلمين وإمامهم في جميع الأزمنة، فكان سؤال حذيفة -رضي الله عنه-"وإذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟" والأمر كما أخبرتَ يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومٌ دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها وهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، عرفنا الخلاص؛ لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، فما الخلاص إذاً حين تُعدم هذه الجماعة وإمامها-نسأل الله العافية- قال:{فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك}

" السُنّة سفينة نوح، من ركبها نجا" كما قال الإمام مالك. ومن أحسن حكماً من الله؟ ومَن أعلم بمراد الله من كتابه بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ لا أحد، هذا هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يقل خذ سلاحك واضرب في الضاربين وغُص المعارك مع المعتركين حتى تنال النصر أو الشهادة.

{فاعتزل تلك الفرق كلها} وفي هذا دليلٌ على أن الفرقة والجماعة شيءٌ واحد؛ فلئن كان من شغفهم الانتماء إلى الجماعات الدعوية الحديثة الضالة المضلة يرفعون عقيرتهم بهذه العبارة: نحن جماعات ولسنا فرق! وإنما حذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الفرق!{فاعتزل تلك الفرق كلها}

جماعة الحق: قال: {جماعة المسلمين وإمامهم} والضَلال: تلك الفرق كلها، ويزيده وضوحاً الحديث الذي أسلفته{وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة} قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:{الجماعة} فالجماعة الناجية هي واحدة من الفرق الإسلامية، فالفرق الإسلامية التي لم تخرج من مسمى الإيمان خروجاً كاملاً، الفرق الإسلامية هي ثلاثٌ وسبعون، اثنتان وسبعون هالكة-هي مسلمة لكن مسلوبة كمال الإيمان- والفرقة الناجية هي فرقة واحدة، وهي التي قال فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- {الجماعة} فالجماعة مستثناء من الثلاثة والسبعين، واحدة من ثلاثٍ وسبعين فرقة ناجية، واثنتان وسبعين هالكة، فسموا أنفسكم ما شئتم جماعة أو فرقة لا مفر؛ فما أنتم عليه من أصول وقواعد كلها بدع وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والفرقة الناجية واحدة وهي فرقة الكتاب والسُنّة فرقة الأثر أهل الحديث السلفيون الذين يزنون أقوال الناس وأعمالهم بميزانين؛ وهما: (النص والإجماع) فما وافق نصاً أو إجماعاً قُبل وما خالف نصاً أو إجماعاً رُدَّ على قائله، هذا العلاج من مضلات الفتن إذا عُدمت الجماعة-جماعة المسلمين وإمامهم- التي يجب على المسلمين لزومها إذا كانت موجودة؛ العلاج أنه يعتزل الفتن وأهلها وينأى بنفسه، وكما قال القائل:"تجعل سيفك من خشب"

هذا ما يسر الله-سبحانه وتعالى- من التحليل المختصر والاستنباط من هذا الحديث العظيم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


شبكة الإمام الآجري



عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى