منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

فَوَائِدُ الجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَان.

اذهب الى الأسفل

فَوَائِدُ الجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَان.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأحد يونيو 03, 2018 5:31 pm
















فَوَائِدُ الجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَان ...

الخطيب: عز الدين رمضاني حفظه الله ورعاه

 تاريخ الإلقاء : الجمعة 16 رمضان 1439 الموافق ل 01 يونيو 2018 ...


https://www.facebook.com/azedineramadhani/videos/2100103756945605/


تفريغ الخطبة


إنّ الحمدلله نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلامًضِلَّ له ومَن يُضلل فلاهَادِيَ له، وأشهد أن لاإله إلاّ الله وحده لاشريك له وأشهد أنّ نبيّنا محمّدا عبده ورسوله .

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)"

أَلاَ وَإنّ أصدق الكلام كلام الله جلّ وعلا وخير الهدي هدي نبيّنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار .

ثمّ أمّا بعد ، اعلموا عباد الله أنّكم لاَزِلْتُم في شهرٍ عظيم وموسمٍ مبارك تتجلّى لكم فيه آلاَءُ الرّحمنِ ونِعَمُه وَتَتَوَالَى عليكم سَحَائِبُ أَفْضَالِه وإِحْسَانِه ويَسَعُكُم كَرَمُه، فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ مَوْلاَكُم بِكَثْرَةِ الدَّعوات،والاجْتِهَادِ فِي فِعْلِ الخَيْرَات واجْتِنَابِ المـُحَرَّمَات واعْمُرُوا أَوْقَاتَ هذا الشَّهْرِ الفَضِيل بالذِّكْرِ وَتِلاَوَةِ القُرآن والصَّلاة وسَائِرِ القُرُبَات واحْذَرُوا التَّفْرِيطَ والإِضَاعَة فَإِنَّهَا بِئْسَتِ البِضَاعَة ، فمَاأَتَى الشَيطَانُ لِعَبْدٍ إِلاَّ مِنْ قِبَل تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِه.

فَكُونُوا عباد الله على حَذَر، إِذِ الزَّمَانُ زَمَنُ الطَّاعَة.

أيُّهَا الصّائِمُون، مَنْ لَمْ يَرْبَحْ في هذا الشَّهْرِ فَفِ اَيِّ وَقْتٍ يَرْبَح؟ وَمَنْ لَمْ يُنِبْ فِيهِ إلى مَوْلاَه فَفِي أَيِّ وَقْتٍ يُنِيبُ ويُصْلِح ؟ وَمَنْ لَمْ يَزَلْ مُتَقَاعِسًا عَنِ الخَيْرَات فَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَطْلُبُ الإِسْتِدْرَاك،وتَحْصُل لَهُ الإِسْتِقَامَة وَيُفْلِح ؟

فَهَاهِيَ سِلَعُ الجَنَّةِ قَدْ عُرِضَتْ وَمَحَابُّ الرَّحْمَنِ كَثُرَت، فاحْرِصْ عَلَى الظَّفَرِ بِهَا، وتَاجِرْ فِيهَا تِجَارَةَ الأَكْيَاس،ولاتَغْتَرْ بِتِجَارَةِ السَّفِيهِ المِفْلاَس فَتَبِيعَ آجِلاً بِعَاجِل ونَسِيئَةً بِنَقْدٍ وغَائِبٍ بِنَاجٍ ، فَإِنْ كُنْتَ لاَتَدْرِ فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ**وِإنْ كُنْتَ تَدْرِ فَالمـُصِيبَةُ أَعْظَمُ.

فَمِنَ الطَّاعَاتِ عبادَ الله، الّتي يَعْظُمُ أَجْرُهَا وَيَزْدَادُ ثَوَابُهَا في شَهْرِ رَمَضَان والّتي تكثُرُ حَاجَاتُ النَّاسِ إليها نَفْعًا وانْتِفَاعَا: ضُرُوبُ الصَدَقَات والمَعْرُوفِ والإِحْسَان إلى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا من أَهْلِ العَوَزِ والحَاجَات، إِذِ المَوْسِمُ مَوْسِمُ الرَّحْمَةِ والمُوَاسَاةِ والغُفْرَان ،فَإِنَّ هَدْيَ نَبِيّـِكُم عليه الصّلاة والسّلام يَدْعُو إلى ذلك بِحَالِهِ وقَالِهِ ، ولَنَا جَمِيعًا فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَة.

ثَبَتَ في الصَّحِيحَينِ من حديثِ عبدالله بن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أَجْوَدَ بِالخَيْر،وكان أَجْوَدَ مَايَكُونُ في رمضان حِينَ يلْقَاهُ جبريل،وكان جِبْرِيلُ عليه السّلام يَلْقَاهُ كلَّ لَيْلَةٍ في رمضان حتّى يَنْسَلِخْ ، يَعْرِضُ عليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم القرآن ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عليه السّلام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المـُرْسَلَة .

زاد الإمام أحمد في مسنده :" وكان لايُسْأَلُ عن شيءٍ إلاّ أعطاه"، قال العلماء: الجُودُ معناه سِعَةُ العَطَاءِ وكَثْرَتُه ، وهو إعطاء ما يَنْبَغِي لِمَن يَنْبَغِي ، وهو أعمّ من الصّدقة ، فيشمل الصّدقة على الفقير والمحتاج ،  والهدِيَّةَ إلى الجارِ والصّديق،والهِبَةَ إلى القَرِيبِ والـمَيْسُور ، بل ويكون الجُودُ بِضُرُوبِ الإِحْسَانِ والمَعْرُوفِ المختلفة من بَذْلِ العِلْمِ وبَذْلِ النُّصْحِ للنَّاسِ إِنِ احْتَاجُوه ، بل حَتّى الإِبْتِسَامَةُ في وَجْهِ أَخِيكَ مِنَ الصَدَقَة كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وذلك لأنّ رمضان مَوْسِمُ الخَيْرَات، ونِعَمُ اللهِ سبحانه وتعالى فِيهِ زَائِدَةٌ على غَيْرِه ، فكان النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يُؤْثِرُ سُنَّةَ اللهِ في عِبَادِه، والله جلّ وعَلاَ الغَنِيُّ أَجْوَدُ الأَجْوَدِين يتضاعَفُ جُودُهُ في أَوْقَاتٍ خَاصَّة لاَسِيَمَا شهر رمضان، وفي رمضان أنزل الله عزّ وجلّ قوله :"وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّـِي فَإِنّـِي قَرِيب أَجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذا دَعَانِ" ، فهذا من جُودِ الله عزّوجلّ وَكَرَمِه ، أنَ يَمَتَنَّ على الصَّائِمِ بِإِجَابَةِ دَعَائِهِ إِذَا دَعَاه ، فالله جَلَّت حِكْمَتُه يَجُودُ في رمضان على عِبَادِهِ بِالرَّحْمَةِ والـمَغْفِرَةِ والعِتْقِ من النّار ولاسِيَّما في لَيْلَةِ القَدْرِ ، والله جلّ وعَلاَ يَرْحَمُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاء كما قال النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم :"إِنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاء" ، فَمَنْ جَادَ على عِبَادِ اللهِ بِأَيِّ نَوْعٍ من أَنْوَاعِ الجُودِ والكَرَم جَادَ اللهُ عزّوجلّ عليه بِالفَضْلِ والإِحْسَانِ والكَرَم ، إِذِ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ.

وَلَمَّا كَانَ اللهُ عزّوجلّ قد جَبِلَ نَبِيَّهُ صلّى الله عليه وآله وسلّم على أَشْرَفِ الأَخْلاَقِ وَأَكْمَلِهَا كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :"إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمّـِمَ صَالِحَ الأَخْلاَق" ، فَدَلَّ هذا على أنّه صلى الله عليه وسلّم أَجْوَدَ بَنِي آدَمَ على الإِطْلاَق كما أنّه صلّى الله عليه وسلّم أَعْلَمُ الخَلْقِ وَأَشْرَفُهُم وأَشْجَعُهُم وأَكْمَلُهُم في جميعِ الصّـِفَاتِ والخِصَالِ الحَمِيدَة ، وكان جُودُهُ صلّى الله عليه وآله وسلّم بِكُلِّ أَنْوَاعِ الجُود، بِبَذْلِ المَالِ والنَّفْس تَارَةً ، وبِبَذْلِ نَفْسِهِ في إِظْهَارِ دِينِ اللهِ عزّوجلّ وَهِدَايَةِ خَلْقِهِ وإِيصَالِ النَّفْعِ إليهم بِكُلِّ طَرِيق مِن إِطْعَامِ جَائِعِهم وَوَعْظِ جَاهِلِهِم وَقَضَاءِ حَوَائِجِهم وَتَحَمُّلِ أَثْقَالِهِم، ولَمْ يَزَلْ صلّى الله عليه وسلّم على هذه الخِصَالِ الحَمِيدة مُنْذُ أَنْ نَشَأ حتّى قالت له زَوْجُهُ خديجة أَوَّلَ مَبْعَثِه حِنَمَا رَجَعَ من غَارِ حِرَاء يَرْجُفُ فُؤَادُهُ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَى، قالت له هذه الشّهادة الكَامِلَة العَظِيمَة:"واللهِ لاَيُخْزِيكَ اللهُ أبَدَا،إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتُقْرِي الضَّيْفَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَكْسِبُ الـمَعْدُوم وتُعِينُ على نَوَائِبِ الخَلْقِ" ثمّ تزايدت هذه الصّـِفَاتُ والخِصَالُ الحَمِيدَةُ فِيهِ بعد البِعْثَةِ وتَضَاعَفَتْ أَضْعَافًا كَثيرة .

روى الشّيخان في صحيحيهما من حديث أَنَسِ بنِ مالك رضي الله تعالى عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحْسَنَ النّاس وأَشْجَعَ النّاس وأجْوَدَ النّاس "، وروى مسلم في صحيحه من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال :" مَاسُئِلَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على الإسلامِ شيئًا إِلاَّ أَعْطَاه فجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بينَ جَبَلَيْن فقال الرَّجُلُ: يَاقَوْمِي أَسْلِمُوا فَإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَن لاَيَخْشَى الفَاقَة " وروى مسلم أيضًا في صحيحه من حديث صفوان بن أميّة رضي الله عنه قال :"لقد أَعْطَانِي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَاأَعْطَانِي وإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النّاسِ إِلَيَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حتّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ ".

قال الزُّهْرِيُّ رحمه الله :"أعطاه يوم حُنَيْن مائةً مِنَ النَّعَم ثمّ مائةً ثمّ مائةً " وخرّج البخاريّ في صحيحه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنّ شَمْلَةً أُهْدِيَت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَلَبِسَهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إليها فَسَأَلَهُ رَجُلٌ إِيَّاهَا فَأَعْطَاهُ، فَلاَمَهُ النَّاسُ وَقَالُوا: هُوَ مُحْتَاجٌ إليها وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لاَيَرُدُّ سَائِلاَ ، فقال الرّجل :إِنَّمَا سَأَلْتُهَا لِتَكُونَ كَفَنِي،فَكَانَتْ كَفَنُهُ .

وَكَانَ جُودُهُ صلّى الله عليه وآله وسلّم للهِ عزّوجلّ وفي ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللهِ عزّوجلّ، فإِنَّهُ كَانَ يَبْذُلُ الـمَالَ إِمَّا لِفَقِيرٍ مُحْتَاج أو يُنْفِقُهُ في سبيل الله أو يَتَأَلَّفُ بِهِ على الإسلام أي يُقَوِّي الإسلامَ بِإِسْلاَمِه،وكان يُؤْثِرُ على نَفْسِه وماله وولده ، وكان يُعْطِي عَطَاءًا يعجز عنه الـمُلُوك مثل كِسْرَى وقَيْصَر ، وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم في كلّ ذلك يعيشُ في نفسه عَيْشَ الفقراء ويَأْتِي عليه الشَهْرُ والشَّهْرَان ولاَ يُوقَدُ في بَيْتِه نَار ، وربّما شَدَّ الحَجَرَ على بَطْنِهِ من شِدَّةِ الجُوع ، فكان جُودُه صلّى الله عليه وسلّم يتضاعف في شهر رمضان كما أنّ جُودَ ربّه يتضاعف فيه أيضًا ،فإنّه عليه الصّلاة والسّلام كان يلتقي بجبريل وهو أفضل الملائكة وأكرمهم يدارسه الكتاب الّذي جاء به إليه وهو أفضل الكُتُبِ وأشرفُها،فيُدارسُه هذا القرآن ، و هو يحثّ أي هذا الكتاب الكريم على الإحسان ومَكَارِمَ الأخلاق، فقد كان القرآنُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خُلُقًا حيث يَرْضَى لِرِضَاه ويَغْضَبُ لِغَضَبِه ويُسَارِعُ إلى مَايَحُثُّ عليه ويَمْتَنِعُ عَمَّا زَجَرَ عنه ، فكان صلّى الله عليه وآله وسلّم يُكْثِرُ من الْتِقَاءِ جبريل عليه السّلام، ولهذا السّبب كان يتضاعَفُ جُودُهُ بِعَهْدِ قُرْبِهِ بـِمـُخَالَطَةِ جبريل عليه السّلام الّذي كان يُدَارِسُهُ هذا الكتاب الكريم ، وهو الّذي يحُثُّ ويَحُضُّ على الجُودِ والكَرَم ، ولاَشَكَّ كما قال العلماء أنّ الـمُخَالَطَة تُؤَثّـِرُ وتُوَرِّثُ أَخْلاَقًا فِي نُفُوسِ أَصْحَابِهَا، لاَسِيَمَا عند الحَدِيثِ وكَثْرَةِ الـمُجَالَسَةِ والاخْتِلاَطِ والاحْتِكَاكِ ، فكان النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم بِهَذَا مَثَلاً أَعْلَى لِلْبَشَر فِي الجُودِ والكَرَم والـمَعْرُوفِ والاحْسَانِ إلى النّاس،  وفيه يَصْدُقُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ**فَلُجَّتُهُ الـمَعْرُوفُ والبَحْرُ سَائِلُه.
وَلَوْلَمْ يَكُنْ فِي كَفّـِهِ غَيْرُ رُوحِــ**ـــهِ لَجَادَ بِها فَلْيَـتَّقِ اللهَ سَـائِلُه  

فهذا هَدْيُ نَبِيّـِكُم عليه الصّلاة والسّلام قَدْ عَرَفْتَهُ أَيُّهَا الصَّائِم وأَيُّهَا القَائِم ، فَمَابَالُكَ تَحْرِصْ وَ الزَّمَانُ زَمَانُ إِنْفَاقٍ وَعَطَاء ، والـمَوْسِمُ مَوْسِمُ جُودٍ وسَخَاء ، فَآنَ لَكَ أن تَعْزِلَ الهَوَى وَتَفِرَّ من نَارِ الشَّهَوَات و تُسْقِطَ من قَلْبِكَ حُبَّ هَذِهِ الدُّنْيَا وَلَوْ لِلَحَظَات فَتَجُودُ بِمَا أَخْبَرَكَ اللهُ عزّوجلّ عليه إلى غيرك لِتَسْلَم من الحَسَراتِ ومِنَ التَّبِعَاتِ يَوْمَ لاَيَنْفَعُ مالٌ ولاَبَنُون إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيم وتَدَّخِرَ إلى غَدِكَ في بَنْكِ الحَسَنَات ، يقول اللهُ عزّوجلّ :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" وقال تعالى:" وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ(10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)".

بارَكَ اللهُ لِي ولَكُم في القرآنِ العَظِيم ونَفَعَنِي وإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ الآيَات والذِّكْرِ الحَكِيم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لِي ولكم فَاسْتَغْفِروهُ مِن كُلِّ ذَنْبٍ يَغْفِرْ لكم وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.






الخطبة الثّانية:

الحَمْدُللهِ غَافِرِ الذّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْل لاَإِلَـهَ إِلاَّ هُوَ إليهِ الـمَصِير ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَـهَ إِلاَّ الله وَحِدَهُ لاَشَرِيكَ لَه وَلِيُّ الصَّالِحِين وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مَحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه .

أَيْقَظَ العالم من سُبَات وجَمَعَهُم من شَتَات وهَدَاهُم من حَيْرَةٍ وضَلاَل وأخذ بأيدِيهِم إلى مَدَارِجِ الخَيْرِ ومَنَاهِجِ السَّعَادَة صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى مَن سَارَ على هُدَاهُم واقْتَفَى أَثَرَهُم بِإِحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّين .

أَيُّهَا الـمُؤْمِنُون ، إِنَّ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّ البَعْثَ حَقّ وأنَّ الآخِرَة هِيَ دَارُ الـمَصِير وأنّ هَذِهِ الدّار الفَانِيَة قَنْطَرَةٌ إلى الأُخْرَى وبَابٌ إلى الحُسْنَى أَوِ السُّوءَ ، عَمِلَ لَهَا ، وَقَدَّمَ مَا يَجِدُهُ فِيهَا . وَأَمَّا إِنْ شَكَّ فِيهَا أو تَكَاسَلَ عنها وآثَرَ عليها بَخِلَ بِمَالِهِ وغَفَل عَنْ مَآلِهِ، ولهذا جمَعَ اللهُ عزّوجلّ في القرآن الكريم بين الإِعْطَاءِ والتَّصْدِيق كما جَمَعَ بين البُخْلِ والتَّكْذِيب كما في قوله جلّ وعَلاَ في سورة اللّيل :"  فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10)" ، وقد عَلِمْتُم أَنَّ جُودَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتضاعف في رمضان ، وفي تَضَاعُفِ الجُودِ في رَمَضَان والإِحْسَانِ إلى النّاس بِأَنْوَاعِ الـمَعْرُوف فَواَئِدٌ كَثِيرَة ذكرها بَعْضُ العُلماء أُوجِزُ منها مَايَلِي :

-من فوائِدِ الجُودِ في رمضان: شَرَفُ العَامِلِ ومَضَاعَفَةُ أَجْرِ العَامِلِ فِيه لأنّ العلماء يقولون :"إنَّ العَمَلَ يَشْرُف وَيَعْظُمُ أَجْرُه وَيَزْدَادُ ثَوَابُه لِأُمُورٍ ثلاث :

-إمَّا لِشَرَفِ الزَّمَان أو شَرَفِ الـمَكَان أو شَرَفِ العَامِل بِكَثْرَةِ تَقْوَاه وَخُلُوصِ نِيَّتِه وصِدْقِ تَوَجُّهِه .

-من فَوَائِدِ الجُودِ في شهر رمضان : إِعَانَةُ الصَّائِمِين والقَائِمِين والعَاكِفِين والذَّاكِرِين على طَاعَتِهم ، فَإِنَّ مَنْ أَعَانَ الطّائِعِين على طَاعَتِهم كَانَ لَهُ مْثْلَ أُجُورِ أَعْمَالِهِم ، كما أنّ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا ، ومَنْ خَلَّفَهُ في أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا ، ومَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِم لاَيُنْقَصُ من أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا ، هذا قَوْلُ نَبِيّـِكَ صَلّى الله عليه وآله وسلّم  .

قال الشَّافِعِيُّ رحمه الله : " أُحِبُّ لِلرَّجُل الزِّيَادَةَ فِي الجُودِ في شَهْرِ رمضان اقْتِدَاءً بِرَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم وَلِحَاجَةِ النَّاسِ فِي مَصَالِحِهِم وَكَثْرَةِ تَشَاغُلِهِم بِالصَّوْمِ عَن مَكَاسِبِهِم ".

-وفي تَضَاعُفِ الجُودِ في رمضان فَائِدَةٌ أُخْرَى عَظِيمَة وهي أَنَّ الجَمْعَ بين الصّـِيَامِ والصَّدَقَة أَبْلَغُ في تَكْفِيرِ الخَطَايَا وَاتّـِقَاءِ عَذَابِ جَهَنَّم والـمُبَاعَدَةِ عنها ، يقول النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام :" الصّـِيَامُ جُنَّة " أي وِقَايَة من عَذَابِ اللهِ وسَخَطِه ، ويقول أيضًا في الحديث :"والصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَة كَما يُطْفِىءُ المَاءُ النَّار"، وقال عليه الصّلاة والسّلام :"اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَة".

وهذه الأُمُور إِنَّمَا تَجْتَمِعُ في الغَالِبِ في شَهْرِ رمضان بين الصّيام والصّدقة ، وكان أبوالدّرداء رضي الله عنه تعالى يقول:" صَلُّوا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْن لِوَحْشَةِ القُبُور ،وصُومُوا يَوْمًا شَدِيدٌ حَرُّهُ لِحَرِّ يَوْمِ النُّشُور، وتَصَدَّقُوا صَدَقَةً لِشَرِّ يَوْمٍ عَسِير" ، وهذه قَدْ لاَيُوَفَّقُ إليها الإنسان في غيرِ شهرِ رمضان إِلاَّ مَن كان حَرِيصًا ، أمّا هذا الشّهر فَإِنَّهُ بِـمَـَيْسُورِ الإِنسانِ أن يُحَقّـِقَ مثل هذا يَوْمِيًّا ، إِنْ وفَّقَهُ اللهُ عزّوجلّ لذلك .  

-من فَوَائِدِ الجُودِ في شهرِ رمضان أنَّ الجَمَعَ بين الصِّيام والصّدَقَة مِن مُوجِبَاتِ دُخُولِ الجَنَّة ، يقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم :" إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفَا يُرَى ظُهُورُهَا من بُطُونِهَا وبُطُونُهَا مِن ظُهُورِهَا ،قِيل: يارَسُولُ الله لِمَن؟ قال: لِمَن طَيَّبَ الكَلاَم وَأَطْعَمَ الطَّعَام وَأَدَامَ الصّـِيَام وصَلَّى بِاللّيْلِ والنَّاسُ نِيَام " ، وهذه أيضًا في الغالبِ لاتجتمع إلاّ في شهرِ رمضان ، يجتمع فيه للمؤمنِ طِيبُ الكَلاَمِ وإِدَامَةُ الصِّيَامِ يَوْمِيًّا والقِيَام وإِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ والـمَعْرُوف .

-ومن فَوَائِدِ الجُودِ أيضًا في رمضان أيُّهَا المؤمنون ، وقبل هذا ثبت أيضًا حديثٌ رواه مسلم في صحيحه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مَرَّةً قال لِأَصْحَابِهِ :"مَنْ أَصْبَحَ منكم اليومَ صائمًا ؟ فقال أبوبكر الصدّيق رضي الله عنه :أنا ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : مَن صَلّى منكم اليوم جِنَازَة ؟ فقال أبوبكرٍ : أنا ، فقال : مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَة؟ فقال أبوبكرٍ : أنا ، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : مَنْ عَادَ منكم اليَوْمَ مَرِيضًا ؟ قال أبوبكرٍ : أنا ، قال عليه الصّلاة والسّلام :"مَااجْتَمَعَت فِي امْرِىءٍ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّة ".

"مااجتمعتْ في امْرِىءٍ" : أي هذه الخِصَال الأربعة وهي موجودة في رمضان ، وقد يُضَافُ إليها عِيَادَة المريض لِيَحْصُل الإنسان على الأجر الجزيل والثّواب العظيم.

-من فوائِدِ الجُودِ أيضًا في شهرِ رمضان: أنّ صيام العبد لاَبُدَّ أن يَقَعَ فيهِ خَلَلٌ وأن يَقَعَ فِيهِ نَقْص ، والصَّدَقَةُ تُجْبِرُ مَا فِي الصِّيَام من النَّقْصِ والخَلَل ، ولهذا كان في آخِرِ شَهْرِ رمضان إِخْرَاجُ زَكاةِ الفِطْر طُهْرَةً لِلصَّائِم من اللَّغْوِ والرَّفَث، فَكَأَنَّ الصَّائِم إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ يُجْبِرُ مَا فِي صَوْمِهِ مِن نَقْصٍ أو خَلَل .

أَيُّهَا الـمُؤْمِنُون ، هَاهُوَ شَهْرُ رمضان قَدِ انْتَصَف، فَمَنْ منكم حَاسَبَ نفسه فِيه لله وانْتَصَف؟.

مَن منكم قَامَ بِحَقّـِهِ الّذي عَرَف ؟، مَن منكم عَزَمَ على أنْ يَبْنِي لِنَفْسِهِ غُرَفًا في الجَنَّةِ فَوْقَهَا غُرَف ؟.

إنّ شهرَ رمضان قد أخذ في النُّقْصَان، فَزِيدُوا أَنْتُم في العَمَل ، شهرُ رمضان أخذ في النُّقْصَان، فَزِيدُوا أنتم في العمل، وتَوَسَّلُوا إلى الله عزّوجلّ بأن يُوَفّـِقَكُم إلى الطّاعات فَتَجُودُوا بِما أقْدَرَكُم الله عزّوجلّ على غيركم ،ولاَ تَغْتَرُّوا بِطُولِ الأَمَل:

فَمَـالَـكَ في يومِ الحَـشْرِ الّـذي** تَزَوَّدْتَهُ من الحياة إلى القَبْرِ
إِذَا أنتَ لَمْ تَزْرَع وأَبْصَرْتَ حَاصِدًا**نَدِمْتَ على التَّفِرِيطِ فِي زَمَنِ البَذْرِ .


نسأل الله تعالى بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى أن يُبَارِك لنا فِيمَا تَبَقَّى من عُمْرِ رمضان وأن يُوَفّـِقَنَا لِعِمَارَةِ هذه الأوقات النَّفِيسَة العَظِيمَة في أَيّامِ ولَيَالِي رمضان ، وقد ندخل في الأسبوعِ المقبل بحول الله العشر الأخير من رمضان ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُمِدَّنَا بِعَوْنٍ منه وأن يُعِينَنَا على ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وحُسْنِ عِبَادَتِه ، إنّه تبارك وتعالى وَلِيُّ ذلك .

وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرا.


وسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أن لاإله إلاّ أنتَ أستغفرك وأَتُوبُ إليك والحمدلله ربّ العالمين.







عبير الإسلام

عدد المساهمات : 765
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى