منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بالله .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بالله .

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الإثنين سبتمبر 07, 2015 2:48 pm










احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بالله


قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى :


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ. وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كان كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلم.

هذا الحديث اشتمل على أصول عظيمة وكلمات جامعة :

1-فمنها: إثبات المحبّة صفة لله، وأنها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها ودلّ على أنها تتعلق بإرادته ومشيئته، وأيضا تتفاضل.

فمحبّته للمؤمن القوي أعظم من محبّته للمؤمن الضعيف.

ودلّ الحديث على أنّ الإيمان يشمل العقائد القلبية، والأقوال والأفعال، كما هو مذهب أهل السُنَّة والجماعة ; فإنّ الإيمان بضع وسبعون شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ منه.

وهذه الشُعَب التي ترجع إلى الأعمال الباطنة والظّاهرة كلّها من الإيمان.

فَمَنْ قام بها حقّ القيام، وكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمل غيره بالتّواصي بالحق، والتواصي بالصبر: فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب الإيمان، ومن لم يصل إلى هذه المرتبة: فهو المؤمن الضعيف.

وهذا من أدلّة السّلف على أنّ الإيمان يزيد وينقص، وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه، وبحسب أعماله. وهذا الأصل قد دلّ عليه الكتاب والسُنّة في مواضع كثيرة.

ولمّا فاضل النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين قويهم وضعيفهم خشي من توهم القدح في المفضول، فقال: «وفي كُلٍّ خير»

وفي هذا الإحتراز فائدة نفيسة، وهي أن على من فاضل بين الأشخاص أو الأجناس أو الأعمال أن يذكر وجه التفضيل، وجهة التفضيل. ويحترز بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول، لئلاّ يتطرّق القدح إلى المفضول وكذلك في الجانب الآخر إذا ذكرت مراتب الشر والأشرار، وذكر التفاوت بينهما.

فينبغي بعد ذلك أن يذكر القدر المشترك بينهما من أسباب الخير أو الشر. وهذا كثير في الكتاب والسُنّة.

وفي هذا الحديث: أن المؤمنين يتفاوتون في الخيرية، ومحبّة الله والقيام بدينه وأنهم في ذلك درجات {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأحقاف: 19]

ويجمعهم ثلاثة أقسام:

***السّابقون إلى الخيرات، وهم الذين قاموا بالواجبات والمُستحبّات، وتركوا المحرّمات والمكروهات، وفضول المباحات، وكمّلوا ما باشروه من الأعمال، واتّصفوا بجميع صفات الكمال.

*** ثم المقتصدون الذين اقتصروا على القيام بالواجبات وترك المحظورات،

*** ثم الظّالمون لأنفسهم، الّذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئًا.


وقوله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» كلام جامع نافع، محتوٍ على سعادة الدّنيا والآخرة.

والأمور النافعة قسمان: أمور دينية، وأمور دنيوية.

والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدّينية. فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والإجتهاد في الأمور النّافعة منهما، مع الإستعانة بالله تعالى، فمتى حرص العبد على الأمور النّافعة واجتهد فيها،وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها: كان ذلك كماله، وعنوان فلاحه.

ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة: فاته من الخير بحسبها. فمن لم يكن حريصا على الأمور النافعة، بل كان كسلانا، لم يدرك شيئا. فـالكسل هو أصل الخيبة والفشل. فالكسلان لا يدرك خيرا، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بدين ولا دنيا ومتى كان حريصا، ولكن على غير الأمور النافعة: إما على أمور ضارّة، أو مفوّتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة، وفوات الخير، وحصول الشر والضرر، فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلاّ التعب والعناء والشقاء.

ثم إذا سلك العبد الطرق النافعة، وحرص عليها، واجتهد فيها: لم تتم له إلا بصدق اللجأ إلى الله ; والإستعانة به على إدراكها وتكميلها وأن لا يتّكِل على نفسه وحوله وقوّته، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربّه.

فبذلك تهون عليه المصاعب، وتتيسّر له الأحوال، وتتمّ له النتائج والثّمرات الطيّبة في أمر الدّين وأمر الدّنيا، لكنّه في هذه الأحوال محتاج – بل مضطرّ غاية الإضطرار – إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها، والجد في طلبها.

فـالأمور النافعة في الدين ترجع إلى أمرين: علم نافع، وعمل صالح.

1-أمّا العلم النافع: فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح، المثمر لسعادة الدارين. وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث وتفسير وفقه، وما يعين على ذلك من علوم العربية بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الإنسان، وتعيين ذلك يختلف باختلاف الأحوال.

والحالة التقريبية: أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصر من مختصرات الفن الذي يشتغل فيه. فإن تعذّر أو تعسّر عليه حفظه لفظا، فليكرّره كثيرا، متدبّرًا لمعانيه، حتّى ترسخ معانيه في قلبه. ثم تكون باقي كتب هذا الفن كالتفسير والتّوضيح والتّفريع لذلك الأصل الذي عرفه وأدركه، فإنّ الإنسان إذا حفظ الأصول وصار له ملكة تامة في معرفتها هانت عليه كتب الفن كلّها: صغارها وكبارها. ومَن ضيّع الأصول حُرِمَ الوُصُول.

فَمَنْ حرص على هذا الذي ذكرناه، واستعان بالله: أعانه الله، وبارك في علمه، وطريقه الذي سلكه.

ومَن سلك في طلب العلم غير هذه الطريقة النافعة: فاتت عليه الأوقات، ولم يدرك إلا العناء، كما هو معروف بالتّجربة. والواقع يشهد به، فإن يسّر الله له معلّما يحسن طريقة التّعليم، ومسالك التفهيم: تم له السبب الموصل إلى العلم.

2-وأمّا الأمر الثاني – وهو العمل الصالح (ماهيّته) -: فهو الذي جمع الإخلاص لله، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو التّقرب إلى الله: باعتقاد ما يجب لله من صفات الكمال، وما يستحقه على عباده من العبودية، وتنزيهه عمّا لا يليق بجلاله، وتصديقه وتصديق رسوله في كل خبر أخبرا به عما مضى، وعما يستقبل عن الرسل، والكتب والملائكة، وأحوال الآخرة، والجنة والنار، والثواب والعقاب وغير ذلك.

ثم يسعى في أداء ما فرضه الله على عباده: من حقوق الله، وحقوق خلقه ويكمل ذلك بالنّوافل والتّطوّعات، خصوصا المؤكّدة في أوقاتها، مستعينا بالله على فعلها، وعلى تحقيقها وتكميلها، وفعلها على وجه الإخلاص الذي لا يشوبه غرض من الأغراض النفسية.

وكذلك يتقرّب إلى الله بترك المحرّمات، وخصوصا التي تدعو إليها النفوس، وتميل إليها. فيتقرّب إلى ربّه بتركها لله، كما يتقرّب إليه بفعل المأمورات، فمتى وفّق العبد بسلوك هذا الطّريق في العمل، واستعان الله على ذلك أفلح ونجح.  وكان كماله بحسب ما قام به من هذه الأمور، ونقصه بحسب ما فاته منها.


3-وأمّا الأمور النافعة في الدنيا: فالعبد لا بد له من طلب الرزق. فينبغي أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللاّئقة بحاله. وذلك يختلف باختلاف الناس، ويقصد بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه، وواجب مَن يعوله ومن يقوم بمؤنته، وينوي الكفاف والإستغناء بطلبه عن الخلق.

وكذلك ينوي بسعيه وكسبه تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية: من الزّكاة والصّدقة، والنّفقات الخيرية الخاصّة والعامّة ممّا يتوقّف على المال، ويقصد المكاسب الطيّبة، متجنّبًا للمكاسب الخبيثة المحرّمة. فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة، وسلك أنفع طريق يراه مناسبا لحاله كانت حركاته وسعيه قربة يتقرب إلى الله بها.

ومن تمام ذلك: أن لا يتّكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته، وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها، بل يستعين بربّه متوكّلاً عليه، راجيا منه أن ييسّره لأيسر الأمور وأنجحها، وأقربها تحصيلا لمراده، ويسأل ربّه أن يبارك له في رزقه:

*** فـأوّل بركة الرّزق: أن يكون مؤسّسا على التّقوى والنّيّة الصّالحة.

***ومن بركة الرزق: أن يوفّق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة.

***ومن بركة الرزق: أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة، كما قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] بالتّيسير على الموسرين، وإنظار المعسرين، والمحاباة عند البيع والشراء، بما تيسر من قليل أو كثير، فبذلك ينال العبد خيرا كثيرا.

فإن قيل: أي المكاسب أولى وأفضل؟

قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من فضل الزراعة والحراثة، ومنهم من فضل البيع والشراء، ومنهم من فضل القيام بالصناعات والحرف ونحوها. وكل منهم أدلى بحجّته، ولكن هذا الحديث هو الفاصل للنّزاع، وهو أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله» والنّافع من ذلك معلوم أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فمنهم مَن تكون الحراثة والزراعة أفضل في حقّه، ومنهم مَن يكون البيع والشراء والقيام بالصناعة التي يحسنها أفضل في حقّه، فالأفضل من ذلك وغيره الأنفع. فصلوات الله وسلامه على من أعطي جوامع الكلم ونوافعها.

ثم إنّه صلى الله عليه وسلم حضّ على الرِّضَا بقضاء الله وقدره، بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع في الحرص على النافع. فإذا أصاب العبد ما يكرهه، فلا ينسب ذلك إلى ترك بعض الأسباب التي يظن نفعها لو فعلها، بل يسكن إلى قضاء الله وقدره ليزداد إيمانه، ويسكن قلبه وتستريح نفسه ; فإنّ ” لو ” في هذه الحال تفتح عمل الشيطان بنقص إيمانه بالقدر، واعتراضه عليه، وفتح أبواب الهم والحزن المضعف للقلب.

وهذه الحال التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم الطرق لراحة القلب، وأدعى لحصول القناعة والحياة الطّيّبة، وهو الحرص على الأمور النّافعة، والإجتهاد في تحصيلها، والإستعانة بالله عليها، وشكر الله على ما يسره منها، والرّضا عنه بما فات، ولم يحصل منها.

واعلم أن استعمال ” لو ” يختلف باختلاف ما قصد بها،

- فإن استعملت في هذه الحال التي لا يمكن استدراك الفائت فيها، فإنها تفتح على العبد عمل الشيطان، كما تقدم،

-وكذلك لو استعملت في تمنّي الشّر والمعاصي فإنها مذمومة، وصاحبها آثم، ولو لم يباشر المعصية، فإنه تمنى حصولها.

-وأمّا إذا استعملت في تمنّي الخير، أو في بيان العلم النافع، فإنّها محمودة؛ لأنّ الوسائل لها أحكام المقاصد.


وهذا الأصل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأمر بالحرص على الأمور النافعة، ومَن لازمه اجتناب الأمور الضّارّة مع الإستعانة بالله يشمل استعماله والأمر به في الأمور الجزئية المختصة بالعبد ومتعلقاته، ويشمل الأمور الكلية المتعلّقة بعموم الأمّة.

فعليهم جميعا أن يحرصوا على الأمور النافعة، وهي المصالح الكليّة والإستعداد لأعدائهم بكل مستطاع مما يناسب الوقت، من القوة المعنوية والمادية، ويبذلوا غاية مقدورهم في ذلك، مستعينين بالله على تحقيقه وتكميله، ودفع جميع ما يضاد ذلك.

وشرح هذه الجملة يطول وتفاصيلها معروفة.

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر، والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسُنّة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما، بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما، لأن

قوله «احرص على ما ينفعك» أمر بكل سبب ديني ودنيوي، بل أمر بالجد والاجتهاد فيه والحرص عليه، نيّة وهمّة، فعلا وتدبيرا.

وقوله: «واستعن بالله» إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي هو الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.

فـالمُتَّبِع للرّسول صلى الله عليه وسلم يتعيّن عليه أن يتوكّل على الله في أمر دينه ودنياه، وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته والله المستعان.



العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ، صفحة (23)




عبير الإسلام

عدد المساهمات : 622
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بالله .

مُساهمة من طرف أم عبد الرحيم في الأربعاء سبتمبر 09, 2015 7:00 pm

أحسنت أحسن الله اليك أختي الفاضلة

أم عبد الرحيم

عدد المساهمات : 40
تاريخ التسجيل : 29/08/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بالله .

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الخميس سبتمبر 10, 2015 6:29 pm




بسم الله الرّحمن الرّحيم


شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله للحديث السّابق


( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِالضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ. وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كانكَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) . رواه مسلم(60) .


الشرح

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِالضَّعِيفِ ) .

المؤمن القوي : يعني في إيمانه ، وليس المراد القوي في بدنه ؛ لأن قوة البدن قد تكون ضرراً على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله ، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها ، إن كان الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفعه في الدنيا والآخرة صارت محمودة وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة .

لكن القوة في قوله صلى الله عليه وسلم : ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ )، تعني قوة الإيمان ، لأن كلمة القوى تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان ، كما تقول : الرّجل القوي ، أي في رجولته ، كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه ؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه ، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله ، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفاً لا يحمله على فعل الواجبات ، وترك المحرمات فيقصر كثيراً .

وقوله : ( خَيْرٌ) يعني خير من المؤمن الضعيف ، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، ثم قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : ( وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ) يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير ،

وإنما قال : ( وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ) لِئَلاَّ يتوهّم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه ، بل المؤمن الضعيف فيه خير ، فهو خير من الكافر لا شك .

وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون: الاحتراز ، وهو أن يتكلم الإنسان كلاماً يوهم معنى لا يقصده ، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين ، ومثال ذلك في القرآن قوله تبارك وتعالى : ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )(الحديد:10) ، لما كان قوله : (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا ، قال : (وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .

ومن ذلك قوله تعالى : ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) (الأنبياء:79) ، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص ، قال تعالى : ( وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) .

ومن ذلك قوله تعالى : ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (النساء:95) ،

فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ) أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف ، لكن القوي خير وأحب إلى الله .

ثم قال عليه الصلاة والسلام : ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) هذه وصية من الرسول عليه الصلاة والسلام لأمّته ، وهي وصيّة جامعة مانعة

( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ) يعني اجتهد في تحصيله ومباشرته ، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر ، وما لا ينفع فيه ولا ضرر ، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم ينفع الإنسان ، وقسم يضره ، وقسم لا ينفع ولا يضر .

فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية صلى الله عليه وسلم هو الذي يحرص على ما ينفعه ، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة ، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم ، وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء : إنّكم لم تعملوا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إما جهلاً منكم وإما تهاوناً ، لكن المؤمن العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة ، ويحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه .

وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراساً له في عمله الديني والدنيوي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ) وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة ،

( عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) أي على كل شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا ، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدّين ؛ لأنّ الدّين إذا صلح صلحت الدّنيا ، أما الدّنيا إذا صلحت مع فساد الدّين فإنها تفسد .

وفي قوله : (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) إشارة إلى أنّه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى ، فإننا نقدم المنفعة العليا ؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة ، فتدخل في قوله ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) .

فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة ، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعاً ،فهنا تقدم صلة الأخ لأنها أفضل وأنفع ، وكذلك أيضاً لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة فإننا نقدم الأكثر جماعة لأنه الأفضل ،

فقوله ( عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) يشير إلى أنّه اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى .



وبالعكس إذا كان الإنسان لابد أن يرتكب منهياً عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف ، فالمناهي يقدم الأخف منها ، والأوامر يقدم الأعلى منها .

وقوله عليه الصلاة والسلام : ( وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) : ما أروع هذه الكلمة بعد قوله ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ) لأن الإنسان إذا كان عاقلاً ذكياً فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع ويجتهد ، ويحرص ، وربّما تغرّه نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الإستعانة بالله ، وهذا يقع لكثير من الناس ، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله عز وجل ويستعين به ، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصاً على النافع وفعلاً له ، أعجب بنفسه ونسى الاستعانة بالله ،

ولهذا قال : ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ) أي لا تنس الإستعانة بالله ولو على الشيء اليسير ، وفي الحديث : (ليسأل أحدكم ربّه حاجته حتّى يسأله الملح ، وحتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع )(61) يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الإستعانة بالله عزّ وجل ، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلى أو تذهب يميناً أو شمالاً أو تضع شيئاً فاستحضر أنك مستعين بالله عز وجل ، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء .

ثم قال : ( وَلَا تَعْجَزْ ) يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر ، وتقول : إن المدى طويل والشغل كثير ، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز .

وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان ؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى ، منها مثلاً :

طالب العلم الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له ، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل ، وينتقل إلى كتاب آخر ، هذا نقول عنه : إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز ، كيف عجز ؟

بكونه لم يستمر ، لأن معنى قوله : (وَلَا تَعْجَزْ ) أي لا تترك العمل ؛ بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه ، ولذا تجد هذا الرجل يمضي عليه الوقت ولم يحصل شيئاً ؛ لأنه أحياناً يقرأ في هذا ، وأحياناً في هذا .

حتى في المسألة الجزئية ؛ تجد بعض طلبة العلم مثلاً يريد أن يرجع مسألة من المسائل في كتاب ، ثم يتصفح الكتاب ، يبحث عن هذه المسألة ، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها ، ثم مسألة ثانية ، فيقف عندها ، ثم ثالثة ، فيقف ، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله ، فيضيع عليه الوقت ، وهذا ما يقع كثيراً في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ تجد الإنسان يطالعها ليأخذ مسألة ، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا ، وهذا ليس بصحيح ؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله .

كذلك أيضاً في تراجم الصحابة ، في الإصابة ـ مثلاً ـ لابن حجر ـ رحمه الله ـ حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة ، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته ، فتعرض له ترجمة صحابي آخر ، فيقف عندها ويقرؤها ، ثم يفتح الكتاب ، يجد صحابياً آخر ، ثم هكذا يضيع عليه الوقت ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح الكتاب ، وهذا فيه ضياع للوقت .

ولهذا كان من هدي الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله ، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال له : أريد أن تأتي لتصلي في بيتي ؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي ، فخرج النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومعه نفر من أصحابه ، فلما وصلوا ، إلي بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا ، وإذا عتبان قد صنع لهم طعاماً ، ولكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يبدأ بالطعام ، بل قال : ( أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه ؟ ) فأراه إيّاه ، فصلى ، ثم جلس للطعام(62) ،

فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم ، وبالذي تحرك من أجله ؛ من أجل ألا يضيع عمله سدى .

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( وَلَا تَعْجَزْ ) أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه ، بل استمر ؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر ، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت ، ما تم لك عمل .

ثم قال ـ عليه الصلاة والسلام : ( وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كانكَذَا وَكَذَا، ) ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد ، وتستعين بالله ، وتستمر ، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد ، فلا تقل : لو أني فعلت لكان كذا ، لأن هذا أمر فوق إرادتك ، أنت فعلت الذي تؤمر به ، ولكن الله ـ عز وجل ـ غالب على أمره (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)،

ونضرب مثالاً لذلك : إذا سافر رجل يريد العمرة ، ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة ، ثم رجع فقال : لو أني أخذت السيارة الأخرى لكان أحسن ، ولما حصل على التعطل ، نقول : لا تقل هكذا ؛ لأنّك أنت بذلت الجهد ، ولو كان الله ـ عز وجل ـ أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك الأمر ، ولكن الله لم يرد ذلك .

فالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله ، وأخلفت الأمور ؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله ؛ لأنه فعل ما يقدر عليه ، ولهذا قال : ( وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ ) يعني بعد بذل الجهد والإستعانة بالله ـ عز وجل ـ ( فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كانكَذَا وَكَذَا، ).

وجزى الله عنا نبيّنا خير الجزاء ؛ فقد بيّن لنا الحكمة من ذلك ، حيث قال : (فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم ، حتى تقول : لو أني فعلت لكان كذا . فلا تقل هكذا ، والأمر انتهى ، ولا يمكن أن يتغير عما وقع ، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت .

ولهذا قال ( ولكن قُلْ : قدّر الله ) أي هذا قدر الله ، أي تقدير الله وقضاؤه ، وما شاء الله ـ عز وجل ـ فعله ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (هود:107) ، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء ، ما شاء فعل ـ عز وجل .

ولكن يجب أن نعلم أنه سبحانه وتعالى ـ لا يفعل شيئاً إلاّ لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا ، والدليل على هذا قوله تعالى : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (الإنسان:30) ،

فبين أنّ مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم ، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه ، فصار في العاقبة خيراً له ، كما قال تعالى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (البقرة:216) ،

ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية ، من ذلك : قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة ، وفيها ركاب كثيرون ، يزيدون عن ثلاثمائة راكب ، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار ، فغلبته عيناه حتى نام ، وأعلن عن إقلاع الطائرة ، وذهب الركاب وركبوا ، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب ، فندم ندامة شديدة ؛ كيف فاتته الطائرة ؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها . فسبحان الله ! كيف نجا هذا الرجل ؟ كره أنه فاتته الطائرة ، ولكن كان ذلك خيراً له .

فأنت إذا بذلت الجهد ، واستعنت بالله ، وصار الأمر على خلاف ما تريد ، لا تندم ، ولا تقل : لو أني فعلت لكان كذا ، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو ، فقد انتهى الأمر وراح ، وعليك أن تسلم الأمر للجبار ـ عز وجل ـ قل : قدر الله وما شاء فعل .

ووالله ، لو أنّنا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيراً ، لكن تجد الإنسان منا ؛

- أولاً : لا يحرص على ما ينفعه ، بل تمضي أوقاته ليلاً ونهاراً بدون فائدة ، تضع عليه سدي .

-ثانياً: إذا قدر أنّه اجتهد في أمر ينفعه ، ثم فات الأمر ، ولم يكن على ما توقع ، تجده يندم ، ويقول : ليتني ما فعلت كذا ، ولو أني فعلت كذا لكان كذا ، وهذا ليس بصحيح ، فأنت أدّ ما عليك ، ثم بعد هذا فوّض الأمر لله ـ عز وجل .



فإذا قال قائل : كيف احتج بالقدر ؟ كيف أقول : قدّر الله وما شاء فعل ؟

والجواب أن نقول : نعم ؛ هذا احتجاج بالقدر ، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به ، ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ) (الأنعام:106،107) ، فبيّن له أنّ شركهم بمشيئته ، والإحتجاج بالقدر على الإستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز ، لأنّ الله قال : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ) (الأنعام:148) ،

لكن الإحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به ، فإنّ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فوجدهما نائمين ، فقال لهما : ( ما منعكما أن تقوما ؟ ) يعني تقوما تتهجّدان ، فقال علي : يا رسول الله ، إنّ أنفسنا بيد الله ؛ لو شاء أن نقوم لَقُمْنَا ، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذيه ، ويقول : ( وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً )(63) (الكهف:54) .

هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محلّه ؛ لأن النائم ليس عليه حرج ، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاثة )(64) ولا يبعد أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد أن يختبر على بن أبي طالب : ماذا يقول في الجواب ؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن . فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة وذلك لأنه أمر ليس باختياره ؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله ؟... لا إذن هو حجة.

فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه ، نقول مثلاً : يا فلان ، صل مع الجماعة ، فيقول : والله لو هداني الله لصليت ، فهذا ليس بصحيح .

يقال لآخر : اقلع عن حلق اللحية ، يقول : لو هداني الله لأقلعت ، واقلع عن الدخان ، يقول لو هداني الله لأقلعت ، فهذا ليس بصحيح ؛ لأنّ هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة .

لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله ، وأناب إلى الله وندم وقال : إنّ هذا الشيء مقدّر عليّ ، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه ؛ نقول هذا صحيح ، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع .


المصدر:

شرح رياض الصالحين المجلد الثاني

باب المجاهدة

شرح الحديث السّادس من الأربعين النّوويّة

العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.

من موقعه الرّسمي.



عبير الإسلام

عدد المساهمات : 622
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى