منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

الطّريقة المرضيّة لِنُصْرَة خير البريّة .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الطّريقة المرضيّة لِنُصْرَة خير البريّة .

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأربعاء ديسمبر 23, 2015 9:23 pm










الطّريقة المرضية لِنُصرة خير البريّة (صلى الله عليه وسلم)

الشيخ أزهر سنيقرة



بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه

أمَّا بعــدُ:

فإنَّ في مثل هذه الأيَّام الَّتي اشتدَّت فيها الغارة على الإسلام من خلال الإساءة الفاضحة والفاجرة لسيِّد الأنام عليه الصَّلاة والسَّلام، هذه الهجمة الشَّرسة ليست وليدة هذه الأيَّام، بل هي قديمةٌ قِدَم هذه الدَّعوة المباركة، كما أنَّها ليس محصورة في صنيع كفرة اليوم فحسب بل هي أعمُّ وأشمل، تشمل كذلك صنيع الرَّوافض الشِّيعة في النَّيل من عرض نبيِّنا صلى الله عليه وسلم بالطَّعن في أمَّهات المؤمنين، والإساءة إلى أخصِّ أصحابه.

ثمَّ إنَّ اختلاف الأمَّة في طرق ووسائل دفع هذا الشَّرِّ، والذَّبِّ عن عرض سيِّد البشر هو الَّذي زاد الطِّين بلَّة، فما تحققت بهم نصرةٌ، إذ منهم من ظنَّه في هتافات يصيح بها وشعارات يرفعها ويردِّدها أو مسيرات يشارك فيها، ومنهم من اعتقدها في اغتيالات ينفِّذها وعمليات يهدِّد بها، واختطافات يروِّع بها الآمنين والمستأمنين، فنحن وإن كنا نعتقد أن المسيء للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مستوجبٌ للحدِّ الشَّرعي، وهو القتل أو التعزير على حسب الإساءة والتَّطاول، إلَّا أنَّ الأصل في الحدود الشَّرعية اختصاصُها بالإمام ومن ينوب عنه، وليست لغيرهم.

كما أنَّ نصرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا تكون موقفًا سياسيًّا يسعى أصحابه ليتبوأُوا به مراكز أويحقِّقوا به مآرب بكسب أصوات ونيل امتيازات، وهي ليست كذلك موضوع حملة إعلاميَّة سرعان ما تزول آثارها وتنقضي فعالياتها، بل نصرته ﷺ دين يدان الله به، وعبادة تعبَّدنا ربَّنا ﻷ بها، وقربةٌ من أجلِّ القربات، وهي الدَّليل والبرهان على صدق المحبَّة الَّتي هي أساس الإيمان، لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحبَّ إِلَيهِ مِن وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ» [البخاري في الإيمان باب حبِّ الَّرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان]،

قال أبو الزِّناد: «هذا من جوامع الكلم، لأنَّه قد جمعت هذه الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة، لأنَّ أقسام المحبة ثلاثة: محبَّة إجلال وعظمة كمحبَّة الوالد، ومحبَّة شفقة ورحمة كمحبَّة الولد، ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبَّة سائر النَّاس، فحصر أصناف المحبَّة».

قال ابن بطَّال: «ومعنى الحديث والله أعلم أنَّ من استكمل الإيمان علم أنَّ حقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله آكدُ عليه من حقِّ أبيه وابنه والنَّاس أجمعين، لأنَّ بالرسول صلى الله عليه وسلم استنقذه الله من النَّار، وهداه من الضَّلال».

والمراد بالحديث: بذل النَّفس دونه صلى الله عليه وسلم ، وقد كانت الصَّحابة ﭫ يقاتلون معه آباءهم وأبناءهم وإخوانهم، وقد قتل أبو عبيدة أباه لإيذائه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وتعرَّض أبو بكر ﭬ يوم بدر لولده عبد الرَّحمن لعلَّه يتمكَّن منه فيقتله، فمن وُجد هذا منه فقد صحَّ أنَّ هواه تبعٌ لما جاء به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.

نصرةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليست احتفالًا بدعيًّا نوافق فيه مَن حارب السُّنَّة وقتل علماءَها، وهم العبيديون الَّذين أفسدوا في الأمَّة فسادًا عظيمًا.

إنَّ النُّصرة الحقيقيَّة عبادةٌ جليلةٌ تعبَّدنا بها ربُّنا جلَّ وعلا، وكسائر العبادات لها أحكامٌ وشروط، لأنَّ الله تعالى لا يُعبد إلَّا بما شرع، وعلى الطَّريقة الَّتي يرضاها ويأذن بها.

يضاف إلى هذا الأصل أصلٌ ثانٍ لا يقلُّ أهميَّة عن الأوَّل، وهو ما يتميَّز به المنهج السَّلفي عن سائر المناهج، بالنَّظر في الطَّريقة والكيفيَّة الَّتي حقَّق بها السَّلف عمومَ هذا الأصل في كيفيَّة نصرتهم لنبيِّهم صلى الله عليه وسلم، هل كانت بالمسيرات الَّتي يختلط فيها النِّساء بالرِّجال، ويجتمع فيها البرُّ مع الفاجر، وتُرفع فيها الشِّعارات الحزبيَّة وينادى فيها للعصبيَّة الجاهليَّة، بالصَّخب ورفع الأصوات وربَّما تعطيل الجماعات؟

بل إنَّ نصرتهم كانت بشدَّة المحبَّة، وقوَّة الإجلال، وصدق المتابعة والحرص على الموافقة، بهذه المعاني حقَّق القوم ما أُمروا به، وخيرُ الهدي هديهم، وأفضلُ الطُّرق طريقتهم.

أمَّا شدَّة المحبَّة ـ لا مجرَّد المحبَّة ـ فهذا لأنَّهم تميَّزوا عن غيرهم في كلِّ شيء، ويشهد لهذا الآثارُ الكثيرةُ والمواقف الجليلة لبعض أفرادهم أو لعموم جماعتهم، نذكر منها على سبيل التَّمثيل لا الحصر:

موقف الصِّدِّيق رضي الله عنه عند سماعه لقول حبيبه صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عَبدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَينَ الدُّنيَا وَبينَ لِقَاءِ اللهِ فَاختَارَ لِقَاءَ اللهِ» فعلا صوته قائلًا: «فديناك بأموالنا، فديناك بآبائنا، فديناك بأمَّهاتنا» ولم يكن هذا مجرَّد شعارٍ حملَه، أو هتافٍ ردَّده، ثمَّ مضى في حياته مترسِّمًا خطًّا مخالفًا لِسُنَّته، أو منتهِجًا نهجًا مغايرًا لمنهجه.

إنَّ تلك العبارات الَّتي نطق بها الصِّدِّيق وصدرت من سويداء قلبه وخالطت نفسه وأنفاسه وامتزجت بعواطفه وشجونه، بل قالها بلسان حاله قبل مقاله، وارجع عن شئتَ إلى تلك المواقف المؤثِّرة المشهودة مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

شهادة عروة بن مسعود الثَّقفي لمَّا رجع إلى قريشٍ بعد مفاوضته للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: «والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنَّجاشي، والله إن رأيت ملكًا قطُّ يعظِّمه أصحابُه ما يعظِّم أصحابَ محمَّد محمَّدًا، والله إن تنخَّم نخامة إلَّا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، ما يُحِدُّون إليه النَّظر تعظيمًا له» [البخاري].

وكان أبو سفيان ﭬ قبل إسلامه يقول: «ما رأيت من النَّاس أحدًا يحبُّ أحدًا كحبِّ أصحابِ محمَّدٍ محمَّدًا».

وأمَّا قوّة الإجلال فقبل أن نبيِّنها ونسلِّط الضَّوء على حقيقتها يجدر بنا الوقوف على معناها في لسان العرب فهي كالتَّالي:

الإجلال مصدر أجلَّ يُجلُّ إجلالًا، فهو مُجلٌّ، والمفعول مُجَلٌّ، وأجلَّه: عظَّمه وأكرمه، ويقال للرَّجل جليلٌ إذا كان صاحبَ جلالة.

فإذا علمنا أنَّ الإجلال بمعنى التَّعظيم والإكرام وأنَّ مثل هذه الأوصاف لا يستحقُّها إلَّا من تحلَّى بمجموعة من الخلال والشيم فإنَّ من نظر في أخلاقه وجميل أوصافه أيقن أنَّها خير أخلاقِ الخلق وأكرم شمائلهم.

لذا قال ابن القيِّم في «طريق الهجرتين» عند حديث «إِنَّ مِن إِجلَالِ اللهِ إِجلالَ ذِي الشَّيبَةِ المُسلِمِ، وَحَامِلِ القُرآنِ غَيرِ الغَالِي فِيه وَالجَافِي عَنهُ، وَالإمَامِ العَادِلِ»: «فالإجلال هو التَّعظيم و كذلك الهيبة، [وفي الحديث دلالَةٌ على أنَّه] يجوز تعلُّقهما بالمخلوق، وقال ابن عبَّاس عن عمر: «هبته وكان مهيبًا» اهـ، فإذا كان هذا في حقِّ من كان دون منزلته صلى الله عليه وسلم فكيف به عليه الصَّلاة والسَّلام.

أمَّا صدق المتابعة وحسن الموافقة الَّتي تعبَّدنا بها ربُّنا وجعلها من أعظم حقوق المصطفى وأجلِّها، فبها نحقِّق حقيقة المحبَّة، لقوله تعالى: «قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِ يُحبِبكُم اللهٌ».

قال الشَّيخ السَّعدي عند هذه الآية الكريمة:

«وهذه الآية فيها وجوب محبَّة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال «قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ» أي: ادَّعيتم هذه المرتبة العالية، والرُّتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرَّد الدعوى، بل لا بدَّ من الصِّدق فيها، وعلامة الصِّدق اتِّباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدِّين وفروعه، في الظَّاهر والباطن، فمن اتَّبع الرَّسول دلَّ على صدق دعواه محبَّة الله تعالى، وأحبَّه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدَّده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتَّبع الرَّسولَ فليس محبًّا لله تعالى، لأنَّ محبَّته لله توجب له اتِّباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دلَّ على عدمها وأنَّه كاذب إن ادَّعاها، مع أنَّها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظِّهم من اتِّباع الرَّسول يكون إيمانهم وحبُّهم لله، وما نقص من ذلك نقص».

ويقول الشَّيخ عبد الحميد بن باديس:

«ولكن أهل المحبَّة من الله والودِّ والقبول من العباد، هم أهل الحقِّ، وأئمَّة الهدى، ودعاة الاتِّباع للكتاب والسُّنَّة، وما كان عليه السَّلف الصَّالحون، لا لأنفسهم والتحزب لهم، وجلب النَّفع لهم، والَّذي يعينهم لهذه الكرامة دون غيرهم هو اتِّباعهم للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في سيرته ودعوته، وما كانت دعوته إلَّا للقرآن وبالقرآن، دون أن يسأل على ذلك من أجر، وهذا لأنَّ الودَّ والقبول عند العباد مسبَّبَانِ عن محبَّة الله للعبد، ومحبَّة الله لا تكون إلَّا للمتبعين للنَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، لقوله تعالى: «قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُم اللهُ»، فكرامة الودِّ والقبول إنَّما هي للمتِّبعين له صلى الله عليه وآله وسلم، فأمَّا غيرهم فما يكون لهم من قبول عند أمثالهم، فهو فتنة وبلاء عليهم» [مجالس التَّذكير: (١/٢٤٢)].

بل إنَّ الله جعل نيل أغلى وأعزِّ ما يسعى لتحقيقه المسلم وحصوله عليه في هذه الحياة ألا وهو الهداية الى الصراط المستقيم الذي لا يتحقَّق إلَّا بصدق المتابعة، لقوله تعالى: «وَاتَّبعوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ» [الأعراف: آية ١٥٨].

قال الشَّيخ الشَّنقيطي: «أمر الله هذه الأمَّة أن تتبع سيِّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ومعنى اتباعه: هو الاقتداء به فيما جاء به من عقائد وأفعال وأقوال، هذا هو معنى الاتِّباع، «لعلكم تهتدون» أي: لأجل أن تهتدوا، أو على رجائكم الهداية باتِّباعه صلى الله عليه وسلم» [«العذب النَّمير» (٢٢٢/٢)].

وقال الشَّيخ السَّعدي: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ» في مصالحكم الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، فإنَّكم إذا لم تتَّبعوه ضللتم ضلالًا بعيدًا».

هذا الإتِّباع الَّذي أمرَ الله به كلَّ من أدرك هذا النَّبيَّ الكريم، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر ﭬ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال : إنَّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: «أَمُتُهُوِّكُونَ أَنتُم كَمَا تَهَوَّكت اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟! لَقَد جِئتُكُم بِهَا بَيضَاءَ نَقِيَّة، وَلَو كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَه إِلَّا اتِّبَاعِي»، رواه أحمد.

ففي صدق اتِّباعه وحسن موافقة هديه صلى الله عليه وسلم في كلِّ شيء، في العبادات والمعاملات والأخلاق والأحوال والدَّعوة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، تحقيقٌ لجميع المصالح، ونيلٌ للسَّعادة الدُّنيوية والأخرويَّة والَّتي لا تكون إلَّا بالهداية إلى سبيل الحقِّ والرَّشاد.

فالنُّصرة الحقَّة لا تتحقَّق إلَّا بهذه المعاني العظيمة، اعتقادًا وعملًا ودعوةً، وأن نحيا بِسُنَّته في كلِّ أوقاتنا وعلى سائر أحوالنا.


المصدر:

موقع التصفية والتربية



عبير الإسلام

عدد المساهمات : 638
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى