منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

الشّيخ عيسى علية الإبراهيمي الدِّيسي (رحمه الله).

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الشّيخ عيسى علية الإبراهيمي الدِّيسي (رحمه الله).

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الثلاثاء يناير 19, 2016 9:57 pm










الشّيخ عيسى علية الإبراهيمي الدِّيسي (رحمه الله).

من الرِّجال الّذين نهضوا بأعباءِ الإصلاح في الأمّة الجزائريّة بهمّةٍ عالية، ومن الأفذاذ الّذين تجنّدوا لتطهير الحنيفيّة السّمحة ممّا شابها من البدع والخرافات بعزيمةٍ صادقة:

الشّيخ أبو إبراهيم عيسى بن السّعيد علية الإبراهيمي الدِّيسي (رحمه الله).

هو «الإبراهيمي» نسبةً إلى «إبراهيم الغول» دفين بلدة «بوسعادة»، وواحدٌ ممّن يُشار إليهم بالصّلاح فيها.

وهو «الدّيسي» [1] نسبةً إلى قرية «الدِّيس» من قرى جنوب «بوسعادة».

مولدُهُ وتعلُّمه الأوّلي:

ولد في قرية الزرارقة من ولاية المسيلة سنة (1883م)، وفيها حفظ جزءً من القرآن الكريم، ولما بلغ سنَّ اثنتي عشرة سنة توجَّهَ إلى «زاوية الهامل» [2]، الّتي تبعدُ عن «بوسعادة» بنحو (15كلم).

في زاوية الهامل:

أتمَّ الشيخ عيسى حفظ القرآن الكريم بالزّاوية الهاملية ، وفيها أكمل معلوماته وأتمّ دراسته على العالم الشّهير «محمّد بن عبد الرحمن الدِّيسي»(ت:1339هـ =1921م)[3]:«الّذي كان شديد الإعجاب به» [4]، وقد لازمَهُ ملازمةً شديدةً وأخذ عنه الكثيرَ، وإذ كان الدِّيسيُّ ضريرًا فكانَ يقرأُ له ويكتب وينتفع في الوقتِ نفسِهِ بعلومه ومعارفه، قال عنهُ الأستاذ الحسن فضلاء في ترجمة الشّيخ الدّيسي: «أحدُ تلامذتِهِ وحافظُ سرِّهِ وملازمُهُ في الدِّيس»[5].

«ولمَّا زاره [أي: الشّيخ محمّد بن عبد الرّحمن الدّيسيّ] أبو النّهضة الجزائرية الشّيخ عبد الحميد بن باديس في قرية الدِّيس المشهورة .... قَدَّمَهُ إليه وعَرَّفَهُ بِهِ ومِن ثَمَّ تَوَثَّقتْ الصّلةُ بينهما»[6].

«قضى [الشّيخُ عيسى]في الزّاوية وملازمةِ الأستاذ الدِّيسيّ قرابةَ خمسة عشر عامًا فتخرَّج مع إذنٍ له بالتَّدريس» [7].

أقولُ: وجدتُ الشَّيخَ عيسى مَنْسُوبًا إلى الدِّيس، كما في جريدة «البلاغ الجزائري»[ العدد (208)، 6 ذي الحجة 1349هـ/24 أفريل 1931م، (ص3)]، والظّاهرُ أنَّ هذه النِّسبة جاءتْهُ من إقامتِهِ بهَا مُلازمًا لشيخِهِ الدِّيسي، فقد كان هذا الأخيرُ متنقِّلاً بين الدِّيس وزاوية الهامل.


انتقالُهُ إلى بلدة سيدي عيسى، واشتغالُهُ بالتِّجارة:

لم يُباشر الشيخ عيسى التّدريس إلاّ بعد أن ضمن لنفسه ولأهله العيش عن طريق التّجارة كما يقولُ الأستاذ الحسن فضلاء (رحمه الله)، فَـ«فَتَحَ دكّانًا في «سيدي عيسى» لتجارة الأقمشة واختار هذه البلدة لما لها من نفوذ تجاري واسع، لأنّها ملتقى معظم الأعراش المحيطة بها، ولمّا تمكّن من تجارته واستقام له أمرها، نظَّم دروسًا علميَّةً للطَّلبة، ومن ثمَّ بدأ في نشر دعوته الإصلاحيَّة وأخذ يقاوم البدع والخرافات، ويسعى في تطهير العقول والأفكار» [8].

بِدَايَاتُ الجَهْرِ بالدّعوة الإصلاحيّة:

تقدّم قريبًا أنّ الشّيخ عيسى بدأ الجهرَ بالدّعوة الإصلاحيّة لمّا استقرّ بهِ المقام بقرية «سيدي عيسى»، على ما أفاده الأستاذ الحسن فضلاء، أمّا الشّيخ عمر العرباوي فَيَذْكُرُ أنّ البدايةَ كانت قبل ذلك، حينَ تخرُّجِهِ من المعهد الهاملي؛ يقولُ: «أخذ أبو إبراهيم يدعو إلى الإصلاح ومحاربة الجهل والجمود ونَبْذِ الأوهام الّتي مرّغت النّاس في الأَوْحَال في الأَحْوَاز والأَعْراش، وأخيرًا ألقى عصا التّرحال والتّطواف بقرية سيدي عيسى».

مُناصرةُ جريدة الإصلاح وصاحبها الزَّعيم الشّيخ الطّيّب العُقبي:

صدرت جريدة «الإصلاح» للزّعيم السّلفيّ الشّيخ العلّامة الطّيّب العقبي، في بلدة «بسكرة»، ومن «المطبعة العلميَّة» الّتي اشتراها المصلحون بأموالهم مساندين الزَّعيمَ العُقبي، وكان للإصلاح وصاحبِهِ أنصارٌ كثيرون ومؤيِّدون عاملون على نشرِ الجريدة والتَّرويج لها، وقد نوَّه العقبيُّ بهؤلاء الرِّجال وبخدماتهم، كما عرَّفَ في جريدته بوكلائه الشّرعيِّين في المدن والقرى، ومنهم المترجَمُ لهُ، جاء في جريدة «الإصلاح» [العدد (12)، (ص3)، 8 رمضان 1348هـ/ 6 فيفري 1930م] تحت عنوان: «وكلاء الجريدة»: «وكيلنا الشَّرعي ونائبُنا المعتَرَف به... في بلدةِ «سيدي عيسى» السّيّد: الحاج عيسى بن السَّعيد...»، وذكرَ أسماءَ آخرين، وقال أخيرًا: «هؤلاء نوَّابٌ شَرعيُّون عن جريدة الإصلاح..»اهـ.

الشّيخ عيسَى مِن أهلِ البِرِّ والإحِسان:

وقفتُ في «الشِّهاب» لابنِ باديس على (بيان ما تبرَّع به المُحسِنُون على صندوق الطَّلَبَة)، أي: طلبة الجامع الأخضر بقسنطينة، وكانَ مِن جُملةِ هؤلاءِ السَّادَة المُحسِنين: «عيسَى بن السَّعِيد «سيدي عيسَى»... »، وعلَّقَ ابنُ باديس بقوله: «شكرَ اللهُ للّذين تبرَّعُوا بما تبرَّعُوا بهِ مُتطوِّعينَ لطلبةِ العلم والدِّين حتَّى أكملُوا سنتهم ونالُوا –إن شاء الله - ممَّا قصدُوا بُغيتَهُم، وإنَّا لنرجُو مِن أهل البرّ والإحسان أن يمدُّوا يد الإعانة كعادتِهم حتَّى يقضوا دَينَ السّنة الماضية ويحيوا السّنة الآتية، والله يجازيهم أفضل ما جازَى به المحسنين...» [9].



دَوْرُهُ العظيم في بناءِ مسجدِ بلدة «سيدي عيسى»:

دعا الشيخُ إلى بناء مسجدٍ في القرية تُؤدَّى فيه الصلوات وتلقى فيه دروس الوعظ والإرشاد، فلم يستجب لدعوته إلّا النّزر القليل، فاستعانَ بالله تعالى، وشَرَعَ في بنائه في سنة 1930م، واسْتَغْرَقَ في بنائه عامًا كاملاً، وفي يوم (25/09/1931م) أُقيم حفلُ تدشينِهِ[10].

وأسوقُ هنا خَبَرَ افتتاحِ المسجدِ كما جاء على لسانِ مُكَاتِبِ جريدة «النّجاح» [العدد (1215)، 23 جمادى الأولى 1350هـ الموافق لـ: 7 أكتوبر 1931م، (ص2)، والعدد الذي يليه: (1216)، 25 جمادى الأولى 1350هـ الموافق لـ: 9 أكتوبر 1931م، (ص3)]:

«سيدي عيسى: الاحتفال بتشييد مسجد القرية: ... بُشرى نزفّها لإخواننا الجزائريّين وتُحفةٌ نُقدّمها لعموم المسلمين، وذلك أنّه في أوّل هذه السّنة حَرَّكَتْ الغَيْرَةُ الوطنيّة ودَعَتْ الهِمَّةُ الدّينيّة الشَّهْمَ الغيور ذا الرّأي السّديد العلاّمة المصلح السّيّد الحاج عيسى بن السّعيد المتخرّج من «زاوية الهامل» العامرة المقيم حالاً بقرية سيدي عيسى إلى تأسيس مسجدٍ فيها، فقام على ضعفِ الحال وقلّة المساعد والمعين له بالمال باذلاً لجهده ومخلصًا في قصده، فأسّس مسجدًا وبنى بإزائهِ مكتبًا عربيًّا لتعليم أبناء الأهالي الكتاب العزيز والعلم الشريف، وشاركه في البعض منه صاحبُ المروءة والكرم السّيّد محمّد بن الحاج قويدر، وبعد مكابدته لصعوبات البناء ومعانات مطالب لوازمه الثّقيلة خصوصًا، [كان يومُ الاحتفال]... ووَفَدَ عليه من بوسعادة البعضُ من علمائها المتنوّرين... حيثُ إنّ جُلَّ من حضر من أعيان النّاحية وأفاضلها يبلغ عددهم تقريبًا نحو الخمسمائة...ثمّ قام العلاّمة السّيّد الحاج عيسى فَرَقى المنبر... وألقى على مسامع الجمهور خطبةً فائقةً تضمّنت الحثّ على عمارة المساجد وبيان فضلها وثمرتها وفضل مؤسّسها والمعين على بنائها وما ورد في ذلك من الآيات الصريحة وأعقب ذلك بالترغيب في التّهاون والتّعاضد ومدّ يد المساعدة لبعضنا بعضًا، وذكر أنّ الوطنَ في حاجةٍ إلى رجال عالمين بما يجبُ عليهم لأبناء جنسهم عاملين بما يطلبه منهم دينهم ووطنُهُم...»اهـ.

وهكذا بنى الشّيخُ مسجدًا من مالِهِ الخاصّ وحَبَّسَهُ على المسلمين، وذلك لنشر دعوته الإصلاحيّة والقيام بواجب الوعظ والإرشاد والتّدريس فيه[11].

معتمدًا لدعوة «جمعية العلماء» في «بوسعادة» ونواحيها:

يقولُ الشّيخ عمر العرباوي (رحمه الله): «ولمّا برزت جمعية العلماء إلى ميدان العمل اعْتَمَدَتْهُ في تلك النَّواحي المظلمة، فقام بما عهد إليه أحسنَ قيام وبَذَلَ مجهوداتٍ جبّارة ومساعي مشكورة في الإصلاح والنّهضة الإصلاحيّة».

مَنْهَجُهُ في العملِ الإصلاحيّ:

يقولُ الشّيخ عمر العرباوي (رحمه الله): «كانت هذه القرية مَرْتَعًا خَصْبًا للجهل والخرافات ومركزًا هامًّا لقطع الطّريق واللُّصوص، وبدأ يُشجّع النّاس على التّعليم ويُهِيبُ بهم أن يطلبوا الإسلام من مصدَرَيه الصّحيحين وينبذوا ما سواهما من الاختلافات المذهبيّة، وأخذ يُقاومُ البدع الّتي شوّهت الإسلام وذهبت بتعاليمه السّامية من النّفوس حتّى تركَتْهَا تَتَخَبَّطُ في الظّلام، وذلك بالدُّروس والمحاضرات والتَّآليف فكان يُضمِّنها من الحجج القويّة والاستدلال الصّحيح من الكتاب والسّنّة وما اجتمع عليه سلف الأمّة ما يَقْصِمُ ظَهْرَ كلّ متكبّر ومعاند ويخرس كلّ لسان أفّاك».

حُسْنُ بَلَائِهِ وجميلُ صَبْرِهِ في سبيلِ الدّعوة:

يقول الشّيخ عمر العرباوي (رحمه الله): «لقي من الّذين أعمى التّعصّبُ بصيرتهم وزيّن لهم الجهلُ مكانتَهم من الدِّين الّذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم مقاومة شديدةً فثاروا عليه وعلى الإصلاح الّذي جاء به ثورة جنونيّةً، فلم يحكّموا العقل فيها ويلتجئوا إلى الأساليب المعقولة، فقابل هذه الثّورة الجامحة بحِكْمةٍ وعزمٍ وصبرٍ ورباطةِ جَأْشٍ، وقال لهم إن كنتم تُريدون الإسلام فهَلُمَّ نحكِّم قرآنَهُ كما يقول الله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾[النساء:59] حتّى يتبيّن الحقّ من الباطل والصّواب من الخطأ، ولكن القوم لم يَدُرْ في خلدهم هذا بل جابهوه مِن أوَّلِ مرّةٍ بالعُنْف فأَغْرَوا به العامّة وسلّطوا عليه سفهاءهم حتّى ضربوه في السّوق علانيةً بدون خجلٍ، وقام المصلحون يدافعون عنه وكادت تكون فتنة، فقَضَى عليها في مهدها بكلماتٍ لطيفةٍ حسمت النّزاع من ساعته، غير أنّ القضيّة رُفعت إلى الحكومة من حيث لا يشعر ولمّا علم بها سحبها في الحال فناقشه القاضي في ذلك فقال له: إنّ القضيّة لا تعدو قضيّة عائلة وأحقّ بالنّظر فيها جماعةٌ من المسلمين، بهذا الحِلْم والموقف الرّائع كَسَبَ أنصارًا جُدُدًا للحركة الإصلاحيّة».

مدرسةُ «سيدي عيسى» لَبِنَةٌ أُخرى في صَرْحِ التّعليم (الإسلامي العربي) الحرّ:

وإلى جانب المسجد أَسَّسَ الشّيخُ في سنة (1934م) مدرسةً لتعليم النّاشئة تحملُ اسمَ: «مدرسة التّهذيب والمواساة»، وكَوَّنَ على رأسها جمعيةً محلية تتألّف من 22 عضوا للإشراف عليها، وترأَّسها بنفسه كما ترأَّسَ «شُعبة جمعية العلماء» في البلدة [12].

يُشرف على المدرسة خمسةٌ من المعلِّمين: الأستاذ قويدر التيجاني الأغواطي (مدير المدرسة)، والشيخ عيسى عليّة يُدرّس فيها بنفسِهِ للطَّلبة الكبار يُعِدُّهم للمعاهد العلميّة، وأبناؤُهُ الثلاثة: إبراهيم، والسعيد، وقويدر، لا يتقاضون على التّعليم أُجرةً سوى المدير[13].

وانطلقت المدرسة تؤدِّي رسالتها التّعليميّة التربويّة، تخرّج منها حفظةٌ للقرآن الكريم، مع الإلمام بمبادئِ العلوم.

وقد زارها «متجول «البصائر»» الشيخ أحمد حماني في سنة 1938م وكتب عنها ومما قالهُ: «ولكي تدرك حيوية هذه البلدة يجب أن تنظر ما فيها من المشاريع؛ فيها مسجدان. مسجد قام به الفاضل السيد الحاج عيسى... وبالبلدة مدرسةٌ يتعلم فيها الصبيان القرآن ومبادئ العلوم وتديرها «جمعية التهذيب» وعلى رأسها – أيضًا – الفاضل الحاج عيسى الذي له آثارٌ محمودةٌ في بثّ الإصلاح ومقاومة الطرقية» [14].

وقد نَالَ هذه المدرسة مِن تعسُّف الإدارة الاستعمارية وتعنُّتِهَا ما نَالَ غيرها من المدارس الإسلامية العربية الحرّة، وقد جاء قرارُ تعطيلها وإيقاف نشاطها في سنة (1939م) في سلسةِ قرارات الجَوْر وحملات الاضطهاد الّتي مسَّت مدارس جمعية العلماء والمشرفين عليها، وما لبثت المدرسةُ أن عاودت نشاطها، غير أنّه نشاطٌ نسبيٌّ لأجل الظّروف السّائدة عشيَّةَ الحرب العالمية الثّانيّة [15].

كيدُ الحكّام الإستعماريّين وسعايةُ أذنابِهم يُوقعانِ بالشّيخ عيسى:

لم يكن الحكام الاستعماريّون ولا أذنابُهم ليستسلموا لانتصاراتِ الشّيخ والنّجاحاتِ التي حقّقها في البلدة، والّتي خافوا منها على ذهاب سلطانهم وزوال نفوذهم، فصاروا ينتهزون الفرصة للإيقاع به، وتآمرت الطائفةُ الضّالّةُ المتآمرةُ على مصالح الأمّة وعلى دينها: «وصارت تَكِيدُ له من حينٍ لآخر وتتربَّصُ به الدَّوائر حتّى جاءت حوادث 8 ماي المشؤومة سنة 1945م فاعتبرتها فوزًا كبيرًا ونَصْرًا حاسمًا لخطُّتها المجرمة فَوَشَتْ به إلى الحكومة بدعوى أنّه يحثّ النّاس على الثّورة فألقت هذه عليه القبض ونَفَتْهُ إلى صحراء «كلومب بشار» مع المنفيِّين فاعتراه داءٌ عضال» [16]، «واشتدّت به وطأة المرض فنُقل إلى مستشفى «سيدي بلعباس» وبعد ما يَقربُ من عامٍ بين المعتقل والمستشفى أُطلق سراحُهُ بعد أن فقدَ كلَّ قواه البدنيّة لاعتلال صحّته، وللتّسمّم الّذي تعرّض له وتُؤُكِّدَ منهُ» [17].

على فراش المرض:

لَزِمَ الشّيخ عيسى الفراش مُعْتَلاًّ بعد الإفراج عنهُ، ولئن كان ببدنه مُقعدًا متخلِّفًا عن إخوانه المصلحين الّذين كانوا يستعدّون لبعث نشاط «جمعية العلماء» من جديد، واستئناف أعمالها وإعادة فتح مدارسها رافِعِينَ بذلك تحدِّيًا للحكومةِ الاستعماريّة، فإنّه (رحمه الله) كان معهم بقلبه، يتطلَّعُ لسماعِ انتصاراتِ إخوانه على قِوَى المَكْر وأحلاف الجهل والجمود، وكان يأملُ أن لو كان فيها جَذْعًا صحيحًا فيقف مواقفهم ويشدّ مِن أزرهم ويقوِّي جمعهم، يُحدّث الأستاذ طاهر الطاهري (رحمه الله) (1915م ـ 1996م) الّذي واصل مِنْ بَعْدُ المسيرةَ ونهض مع أبناءِ الشّيخِ وأنصارِه ومحبِّيه لتهيئةِ بَعْثِ مدرسة التهّذيب مِن جديدٍ، يقولُ:

«أُصيب بمرضٍ عضال في المنفى، ولم يلبث بعد خُروجه إلّا شهورًا معدودةً كان يُقاسي في خِلالها الأَمرّين، ولعلّ من غرائب الصُّدَف أنّني لمّا رجعتُ من الاجتماع العامّ لجمعيّة العلماء الواقع يوم الأحد في 20 شعبان الموافق 21 جويلية 1946م عُدتُهُ وهو يذوب من شدّة الألم يومًا بعد يوم...فهشَّ لمقابلتي واستهلّت أساريرُ وجهه لأنّه كان يتطلّع إلى أخبار المؤتمر، فأوّل ما بادرني به هو قولُه: «حدِّثْنِي عن المؤتمر وعمّا تمخّض عنه من تصميمات»، هذا الاجتماع الذي دام ثلاثة أيّام، وأَبْدَى تأسُّفه عن عدم الحضور، ولمّا أخبرتُهُ عن مقرّرات الجمعية وما هي عازمةٌ على تنفيذه من أعمالٍ بنّاءةٍ في تأسيس المدارس الحرّة ونشر اللّغة العربية وتكوين الشّباب الجزائري على مبادئ الإسلام الحنيف، وهنا سَكَتَ بُرْهَةً وكأنّه يسْتذكِرُ شيئًا نَدَّ مِنْ ذاكرتِهِ وهو يحاول التّلفّظ به، وما لبثَ أن افتر عن ابتسامة يشعّ منها الإيمان والاطمئنان والابتهاج بهذا النّبأ السّارّ الذي رأى فيه أنّ بعض أُمنياته الّتي كان يتمنّاها لهذا الشّعب المضطهَد ستتحقّق رغم ما أصابه هُوَ مِن مِحَنٍ وأَوْصَابٍٍ وما هو يعانيه في تلك اللّحظات من سكرات الموت، قالها كلمةً واعظةً تبقى درسًا للخَلَف السّالكِ وراء السّلف الصّالح: «الآن جاء دورُكم يا معشرَ المعلِّمين في إحياءِ لغةِ القرآنِ الكريم» »اهـ[18].

وفاتُهُ:

يقول الأستاذ الطاهر الطاهري (رحمه الله): «تُوفِّيَ (رحمه الله) يوم 16 ديسمبر 1946م عن عمر نيف عن السِّتِّين عامًا، وكان يومُ دفنه في «سيدي عيسى» يومًا مشهودًا، صلّى عليه خلقٌ كثير من دائرة بوسعادة والمسيلة وسور الغزلان ومن كلّ النّواحي»اهـ[19].

آثارهُ الكتابيَّة المطبوعة والمخطوطة [20]:

لقد ترك الشيخ عيسى (رحمه الله) آثارًا علميَّةً مطبوعةً ومخطوطةً، منها:

ـ رسالةُ الأَسِنَّة في الرّدّ على مَن آمن بالطّاغوت وخَالَفَ السُّنَّة، وقد طُبعت بمطبعة الاتّحاد في تونس سنة (1936م).

ـ كشف الخبايا في ابن الزّوايا، وقد صُدِّرَتْ هذه الرّسالة باسمٍ مستعار، هو: الجزائريّ العربي بن الطّاهر، وطُبعت في المطبعة العربيّة، 70 نهج روفيكو بالجزائر سنة (1935م).

ويقول عنها الشيخ عمر العرباوي (رحمه الله): «ومِن جملة التّآليف الّتي كان يُصدرها كتابٌ صغيرٌ سمّاه «كشف الخبايا في أبناء الزّوايا»، فَضَحَ فيه أعمالهم ونيّاتهم السّيّئة نحو الإسلام والمسلمين، وقال: إنّ الزّهد والتّقوى اللّذَين يتظاهرون بهما ما هي إلاّ مظاهر كاذبة وادّعاءات جوفاء يخدعون بهما الأمّة ليستغلّوها في مصالحهم»اهـ.

ـ رسالةُ الصَّوَارِم والأَسِنَّة في نَحْرِ مُنْكِرِي العَمَلِ بالسُّنَّة (مخطوط).

ـ مقالات عديدة (مخطوطة).

ـ فتاوى شرعيّة علميّة(مخطوطة).

ـ خطب منبريّة(مخطوطة).

كما تحوي مكتبتُهُ مجموعةَ مُكَاتَبَاتٍ مِنْ رجالِ جمعيّة العلماء: ابن باديس والعُقبي والتّبسيّ ومحمّد العيد وغيرهم.

أُمنية:

أقولُ: عسى أن ترى هذه الآثارُ طريقها إلى النَّشر، ويُبَادر أحفادُ الشّيخ إلى تعميمِ الانتفاع بها.

وقد نَشَرَتْ بَعْضُ الصُّحف اليوميّة، أنّه تمَّ تَشييدُ مدرسةٍ قرآنيَّةٍ بـ«سيدي عيسى» تحملُ اسمَ الشّيخ، وأنَّ هناكَ من يعملُ على تحقيقِ آثارِهِ وتهيئتِها للنَّشر، فعسى أن يكونَ قريبًا.

----------------------------------------------------------------------

([1]) هكذا وجدتُهُ منسوبًا كما في جريدة «البلاغ الجزائري»، فلعلَّهُ نشأَ بالدّيس.

([2]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» للأستاذ الحسن فضلاء (1/106-109).

([3]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/106-109).

([4]) مقال: «من دعائم النهضة الإصلاحية: أبو إبراهيم الحاج عيسى علية» للشيخ عمر العرباوي نُشِرَ في «البصائر»، السلسلة الثانية، العدد(281)، (ص7).

([5]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/55).

([6]) مقال: «من دعائم النهضة الإصلاحية: أبو إبراهيم الحاج عيسى علية» للشيخ عمر العرباوي.

([7]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/55).

([8]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/106-109).

([9]) «الشِّهاب»، (ص395).

([10]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/106-109).

([11]) مقال: «من دعائم النهضة الإصلاحية: أبو إبراهيم الحاج عيسى علية» للشيخ عمر العرباوي، و«المسيرة الرائدة للتعليم العربي الحر بالجزائر» للأستاذ الحسن فضلاء (2/169).

([12]) «المسيرة الرائدة » (2/169).

([13]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر»(1/106)، و«المسيرة الرائدة» (2/170).

([14]) «البصائر»، السلسلة الأولى، العدد (126)، (ص8)، 15 جمادى الثانية 1357هـ- 12 أوت 1938م.

([15]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر»(1/106)، و«المسيرة الرائدة» (2/170).

([16]) مقال: «من دعائم النهضة الإصلاحية: أبو إبراهيم الحاج عيسى علية» للشيخ عمر العرباوي.

([17]) «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/109).

([18]) «أيام ومذكرات الحاج طاهر الطاهري»(ص21-23).

([19]) « أيام ومذكرات الحاج طاهر الطاهري»(ص23).

([20]) انظر: «من أعلام الإصلاح في الجزائر» (1/106-109).


موقع مصابيح العلم

سمير مسراد



عبير الإسلام

عدد المساهمات : 638
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى