منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

أهميّة التّوحيد.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أهميّة التّوحيد.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأربعاء مايو 04, 2016 12:32 am








أهميّة التّوحيد.

محاضرة لفضيلة الشيخ العلامة الوالد ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى و أطال عمره ،

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا ومن سيّئاتِ أعمالنا، مَن يهدهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُُه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71].

أمّا بعد: فإنّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة وكلّ ضلالةٍ في النّار.

أمّا بعد: فَيُسْعِدُني أن أتكلَّمَ في موضوعٍ مهمٍّ لا يبلغُه موضوعٌ آخر ولا يقاربُه في الأهمِّية، وهو موضوعُ التّوحيد وأهميّتُه الذي يقول فيه الإمامُ ابنُ تَيْمِيَةَ ـ رحمه الله ـ: ويقول الإمامُ ابنُ القيّم ـ رحمه الله تعالى ـ بعد أن تكلّم عن عقائدِ أهلِ الضَلال، من أهلِ الاتحاد ـ دعاةِ وَحْدَةِ الوجود ـ والجهمية والمعتزلة وغيرهم من الفرقِ الضالة قال: . ثم قال: بل القرآنُ كلُّه في التّوحيد، وذلك أنّ القرآنَ إمّا خبرٌ عن اللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، فذلك هو التوحيدُ العلميُّ الخبري وإمّا دعوةٌ إلى عبادتِه وحدَه ـ سبحانه وتعالى ، وخَلْعِ ما يُعْبَدُ من دُونِه، فهو توحيدُ الطلبِ والقصد، وإمّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته في أمرِه ونهيِه، فذلك من مكمّلاتِ التوحيد، وإمّا خبرٌ عن أوليائه، وما كافأهم به في الحياة الدنيا وما يجزيهم به في الآخرة، فهذا جزاءٌ على التوحيد، وإمّا خبرٌ عن أهل الشِّرْك وما نَزَل بهم من النَكالِ في الحياة الدنيا، وما يَحِلُّ بهم من العقابِ في الأخرى، فذلك جزاءُ من خَرَج عن حُكمِ التّوحيد، فالقرآنُ كلُّه في التّوحيد، وفي أهلِه وجزائِهم وفي مَن خالفَ التوحيدَ من أهل الشِّرْك  وجزائِهم،فأعاد القرآنَ كلَّه للتّوحيد>. وهذا يدلّ دلالةً عظيمة جدًّا على أهمية التّوحيد، ولا يَعرِف هذه الأهمية الكبيرة العظيمة إلاّ أئمةُ التوحيدِ من الرُسُلِ الكرام أولي العدل وغيرهم، ولا يعرفه إلاّ من حذا حذوهم في الإهتمام بهذا التّوحيد والدعوة إليه.

ذلكم أنّ اللهَ ـ تبارك وتعالى ـ ما خَلَقَ السّموات والأرض والجنّ والإنس والجنّة والنار، وشرع الجهادَ، وكثيرًا من الأمور العظيمة، كلُّ ذلك من أجل هذا التوحيد، وعلى رأسِ التوحيد كلمةُ التوحيد ـ لا إله إلاّ الله ـ على لسان كلِّ رسول وعلى لسان كلّ نبي، ويلهج به الملائكة الكرام، ويكفينا قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ  مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ  إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56 ـ 58]، فبيّن لنا أنّه لم يخلقنا لغرضٍ من الأغراض ـ جلّ وعزّ ـ وتَنَزَّه عن ذلك وإنّما خَلَقَنَا لعبادته، هذا الربُ العظيم الجليلُ الكبير الذي لا نستطيع أن نصفَه ولا نُخبر عن وصفه إلاّ بما أخبر به هوـ تعالى وتقدّسـ عن نَفْسِه،

وأُحِبُّ أن أقرأ بعضَ الآيات التي تُنَّوِهُ عن عظمةِ الله سبحانه وتعالى وجلاله وعظمتِه، وأنّه سيّدُ هذا الكون وربُّه والمسيطر عليه من أجل ذلك هو يستحقّ العبادة وحدَه ـ سبحانه وتعالى ـ، وأن يُخْلَصَ له الدّين، ولا نستطيع أن نُعَبِّرَ عن هذا الشيء، ولكنَّنَا نستوحي آياتٍ من القرآن تدلُّ على عظمةِ ربِّنا الجليل العظيم الذي يستحقّ هذه العبادة ويستحقّ أن نذل له، وأن نخضع له، وأن نستحييَ منه ـ سبحانه وتعالى ـ قال الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ الْمُتَعَالِ  سَوَاءٌ مِنكُم مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ و َسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ هذه من صفات عظمته وجلاله ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِن دُونِهِ مِن وَالٍ  هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ  وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ﴾ ـ شديدُ الأخذ، شديدُ البطش ـ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ ـ وحده سبحانه وتعالى ـ ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ  وَللهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾.

هنا نقف خاشعين أمام عظمة الله ـ تبارك وتعالى ـ التي صرّحت بها هذه الآيات، فالله العظيم، الجليل، الكبير، العالم بكلّ شيء الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يقف في وجه إرادته شيء ـ سبحانه وتعالى ـ، ويخضع له مَن في السّموات والأرض، وتخضع له الملائكة ـ سبحانه وتعالى ـ وأنا لا أستطيع أن أعبّر...، والمقام لا يتّسع لتفسير هذه الآيات، ولكن قد يكفيكم أن أَقرأَها عليكم وآياتٍ أخرى في هذا المعنى، تدلُّ على جلالِ الله وعظمتِه وعزّتِه وكبريائِه وعليائِه ـ سبحانه وتعالى ـ الذي تتضاءل كلُّ عظمةٍ وكلُّ جلالةٍ أمامَ عظمته، بل ليس هناك جلالةٌ وعظمةٌ أمام عظمةِ هذا الواحد القهار المعبود بحقّ ـ سبحانه وتعالى ـ الذي قال ـ سبحانه وتعالى ـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: 18] ـ سبحانه وتعالى ـ كلّ شيء يسجد له ويخرُّ خاضعًا ذليلاً لعظمته، الملائكة والأشجار والسماوات والأرض ومن فيها، وعظمة المخلوقات مهما بلغت من عظمة تتضاءلُ أمام عظمتِه، هذا الربُّ الذي يدعو الأنبياءُ إلى عبادته ـ سبحانه وتعالى ـ يدعون الأممَ الذين ذلّوا أمام الأشجار والأحجار وأمام الجنّ والشياطين، وتجاهلوا عظمةَ الله ـ تبارك وتعالى ، واستولى عليهم الشيطانُ وعبَثَ بعقولهم في الماضي ولا يزال، هذا العدوّ الألدّ الذي حذَّر الله ـ تبارك وتعالى ـ منه البشرية ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. [يس : 60]

هذه دعوةُ الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يدعون إلى عبادةِ هذا الربّ العظيم ـ عز وجلّ ، والذي وصف نَفْسَهُ في كُتُبِه المقدّسة، ووصف نفسه في هذا الكتاب العظيم في الآيات والسُّور، بل في القرآن كلِّه؛ كما ذكر ذلك ابنُ القيّم، ولعلِّي أَقرأُ بعضَ الآيات التي أشار إليها ابنُ القيم لتدلّنا على عظمةِ الله، وتدفعنا إلى محبّتِه والخضوعِ له والإخلاصِ له وإجلالِه وتقديسِه والخضوعِ لجلاله سبحانه وتعالى، في حين أصبح كثيرٌ من الناس يخضعون لبعضهم بعضًا أكثر ممّا يخضعون لله العليّ الكبير، الذي خضع له كلُّ شيء، وذلّ له كلُّ شيء ـ سبحانه وتعالى ، فلا ينبغي للعبد أن يكون عبدًا إلاّ لله، ولا يخضع إلاّ لعظمته وجلاله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: 23 ـ 24].

سبق في ما نقلت لكم من كلامِ ابنِ القيم أنّه لا تخلو آية إلاّ وهي متضمّنَةٌ للتّوحيد، انظر إلى هذه الآيات في آخر سورة الحشر، تضمنت توحيدَ الألوهية في قوله: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، توحيد الأسماء والصفات في قوله: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ...﴾،توحيد الربوبية في قوله: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، فهذه الآيات القليلة في آخر سورة الحشر تضمّنت كلَّ أنواعِ التّوحيد،توحيد العبادة، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الربوبية، ويقول الله ـ تبارك وتعالى ـ في أول سورة الحديد التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله: ﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحشر: 1 ـ 3]، تضمّنت أنواعَ التوحيد الثلاثة، فقوله سبحانه وتعالى﴿سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: خضع لله وعبد الله، وهذا  توحيد العبادة، وقوله تعالى  ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا توحيد الربوبية، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾هذا توحيد الأسماء والصفات،

فالقرآن يحتاج إلى تدبُّر، وإلى عقولٍ واعية تعيه، وتعرف قدرَه، وقدرَ مُنْزِلِه ـ ربّ السّماوات والأرض ـ هذا الربّ العظيم، وقدر هذا الرسول العظيم الذي أُنزل عليه هذا القرآن، فَنَعْلَمُ هذا القرآن ونَعْمَلُ به بعد التدبُّر والتعقُّل والتّفهُّم والإدراك الواعي لمرامي القرآن ومقاصدِه، خاصّةً فيما يتعلّق بـذات الربِّ وأسمائِه وصفاتِه، وما يستحقّه من العبادةِ والتقديرِ والتعظيمِ والإجلالِ والهيبةِ والخوفِ والحياءِ والمحبّةِ والذُلِّ إلى آخر أنواع العبادات التي نعرفها من هذا القرآنِ العظيم ومن سنّةِ نَبِيِّنَا الكريم عليه الصلاةُ والسّلام.

وقال الله تعالى في آية الكرسي ( اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: 255] هذه الآية التي تعتبر أعظمُ آيةٍ في القرآن الكريم تضمَّنت كذلك توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ  اللهُ الصَّمَدُ  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1 ـ 4] تضمّنت التّوحيدَ العلمي الخبري، هذه السُّورة على وَجَازَتِها، قال الرسّولُ ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيها ،هذا يقوله رسولُ الله إمامُ أهل التّوحيد، وأَعْرَفُ الناسِ بربِّه وأعلَمُهُمْ به، وأَعلمُ الناسِ بهذا القرآن الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ.

ونحن ليس عندنا تأمُّل ولا تدبُّر ولا تفّهم، كيف تعدل ثُلُث القرآن؟! قال بعضُ العلماء ومنهم ابنُ تيمية: وهذه ـ سورة الإخلاص ـ تضمّنت كلَّ أنواعِ التوحيد، توحيد الإثبات : إثباتُ الكمال بكلّ أنواعه لله ـ تبارك وتعالى ـ ،  وتوحيدُ التَّنْزيه: تَنْزيه الله عن كلّ عيبٍ ونقص ـ تعالى الله وتبارك وتقدس وتَنَزّه عن كلّ نقص وله الأسماء الحسنى والصفات العلىـ،

وأمّا التّوحيدُ الثاني الذي يُفيدُ العبادة، القرآنُ مليءٌ به وما بُعِثَتْ الرُّسل من أوّلهم إلى آخرهم إلاّ من أجله، وما شُرِعَ الجهادُ إلاّ من أجله، و لا الأمرُ بالمعروف والنّهيُ عن المنكر إلاّ من أجله، لأنّ توحيدَ الرّبوبية وتوحيد الأسماء والصفات فَطَرَ اللهُ الناسَ عليه، فلا يُكَاِبرُون فيه ولا يُجَاِدلُون فيه ، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان: 25] وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ [يونس: 31].

فكانت الأممُ تنحرفُ وتَضِلُّ في توحيد العبادة، من أوَّل انحرافٍ بدأ في قوم نوحٍ إلى آخرهم، إلى قيام الساعة، أكثر ما يأتي الإنحرافُ في هذا التّوحيد، والشيطان يَجْلبُ بخيله ورَجْله على بني آدم الذي آلى على نفسه ليغوينّهم وليأتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن شمائلهم، وقال كما أخبر الله عنه ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82]، فهو يركض في هذا الميدان أحرص ما يستطيع، ويكفيه أن يعبث بكثير من الناس أو أكثرهم ليصيِّرهم من عبيده، لأنّهم يطيعونه في دعوته، ويلبُّون دعوته إلى الشِّرْك بالله فيعبدونه ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60 ـ 61]، فالضلال ـ كما قدَّمنا ـ يقع في هذا التوحيد الذي يمثل قسمًا كبيرًا من القرآن.

ومنها سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ التي أشار إليها الإمام ابنُ القيم ـ رحمه الله ـ هذه تسمّى سورة الإخلاص الثانية، تلك -الأولى- تسمّى سورة الإخلاص ، لأنّه أُخلص فيها التّوحيد، أي: توحيد الأسماء والصفات وهو التّوحيد العلمي الخبري، وهذه أخلصت فيها العبادة لله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ  لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ  وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون:1 ـ 6] فيه إثبات العبادة لله ـ تبارك وتعالى ـ والبراءة من عبادة غير الله ومن العابدين لغير الله، فهي سورة البراءة، وهي سورة الإخلاص، وهي سورة عظيمةٌ يجب أن نفهمها ونتدبّرها لعظم شأنها، وعظم شأن ما شاكلها من السُّور والآيات في وجوب إفراد الله ـ جلَّ وعلا ـ في العبادة، والبراءة من عبادة الطاغوت، وأشار ابنُ القيم ـ رحمه الله ـ إلى بعض الآيات وإلى بعض السُّور نذكر منها الذي يخطر بالبال الآن.

فمنها سورة الزمر، قال الله ـ تبارك وتعالى ـ في أولها: ﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ  إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ  أَلا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 1 ـ 3]، إلى هذا أشار الإمامُ ابنُ القيّم، وإلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى ـ ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: 14]، وأشار إلى مثل قول الله ـ تبارك وتعالى ـ تهديدًا للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسّلام ـ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ـ يعني الأنبياء ـ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ  بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾،

ثم أخبر عن حال المشركين به سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 65 ـ 67]، هذا في توحيد العبادة، تهديدٌ لكلّ نبيٍّ ، فما من نبيٍّ إلاّ وجاءه الإنذار، وجاءه التهديد العظيم الذي ـ واللهِ ـ ترتجفُ قلوبُ المؤمنين حينما تتأمّل وتسمع دَوِيَّه ودويَّ هذا الترهيب من الله الذي شأنه أنَّ السماوات مطوياتٌ بيمينه ـ سبحانه وتعالى ـ ، السماواتُ والأرضُ جميعًا قبضتُه يومَ القيامة، فالمسلمون يعبدون هذا الرّب العظيم الجليل، والنصارى واليهود والمشركون والقبوريون يَعْبُدون الأموات ويَعْبُدون البشر والأحجار،

أيُّ عِزَّةٍ وأيُّ رفعةٍ تحصل للمسلم الذي لا يعبدُ إلاّ هذا الإلهَ العظيم! ولهذا يقول ـ تبارك وتعالى ـ ﴿وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]، العزةُ لله ولأهل التّوحيد؛ لأنّهم لا يخضعون ولا يحنون رؤوسـهم إلاّ لله، ولا يخـافون ولا يرجُون ولا يَرْغَبُون ولا يَطْمَعُون إلاّ فيما عند هذا الإله العظيم الجبّار الذي بيده كلّ شيء، وكلُّ شيءٍ ملكُه، وكلّ شيءٍ هو آخذٌ بناصيته سبحانه وتعالى، فيجب على المسلم أن يقف خائفًا مرتعدَ الفرائص حينما يَذكرُ اللهَ وحينما يؤدّي أيَّ عبادةٍ فليكن في المقام الذي أشار إليه الرسّول ـ عليه الصلاة والسّلام ـ في مقام الإحسان .

يتّسع الحديث في شرح كلام ابن القيم، وعندي في الموضوع فقرات أحبُّ أن أنتقل إليها، ولكن أدعوكم إلى أن تقرأُوا هذا الكلام، وهو في الجزء الثالث من (ص 450) استفيدوا واستضيئوا به في معرفة التّوحيد والآيات التي أشار إليها، وقوله في الأخير إنّ القرآنَ في التّوحيد، ثم ذكر أنواعَ التوحيد وما يُكَمِّلُ التوحيد، استفيدوا من هذا الدرس.

هذه خلاصةٌ عظيمةٌ جدًّا، والله نحن ما نصل إليها ونعترف بالعجز، فنحن واللهِ نتتلمذُ على مثل هؤلاء الأئمّة ونأخذُ منهم مثل هذه المفاتيح ونسيرُ في ضوئِها، نستفيد منهم في فهم كتابِ ربنا وسنّةِ نبيِّنا عليه أفضل الصَّلاة، هذا التوحيدُ لأهمّيته أنزل الله من أجله الكتب، وأرسل به الرسل، وتحدث الله عن قَصَصِ الأنبياء.

وأنا بجهدي الضعيف كتبت كتابًا اسمه فإن شئتم فارجعوا إليه لتستفيدوا منه، بَيَّنْتُ فيه دعوةَ الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ وأنه طريقٌ رسمهُ الله لا تجوز الحيدةُ عنه يمينًا ولا شمالاً، فإنّ الحيدةَ عن منهجِ الأنبياء في الدعوةِ إلى الله حيدةٌ وانحرافٌ إلى الضلال والهلاك؛ لأنّ هذا المنهج وضعه الله ـ تبارك وتعالى ـ ورَسَمَهُ للأنبياء جميعًا من أوَّل رسولٍ نوح إلى خاتَمِهم محمّد عليهم الصَّلاة والسَّلام، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، هذه الآية تقصُّ علينا كيف كان بدء دعوة الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ وما هي خلاصةُ دعوتهم ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ، وقد أَثْبَتُّ في هذا الكتاب وجوبَ التزامِ هذا المنهج بالأدلة من القرآن والسُنّة والفطرة والعقل، وأنّ الدَّعوات التي لا تبدأ بالتوحيد ولا تنطلق من التوحيد قد حادت عن منهج الله، واختارت طرقَ الضلال والهوى، وانحرفت بالمدعوّين عن صراط الله المستقيم.

كلُّ الدعوات الموجودة الآن على وجه الأرض إذا رَسَمَت لنفسها طريقًا للدعوةِ إلى اللهِ غير الطريقة التي رسمها الله لأنبيائِه ورسلِه والتزموها ونفّذوها فقد ضلّوا، كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]،

ما هي ملّة إبراهيم
؟ هي التّوحيد والدعوة إليه ، فإبراهيم عليه السَّلام بدأ بالدعوة إلى التّوحيد وناضلَ في هذا الميدان وحارب القريبَ والبعيد وناظرهم وأقام الحجّةَ عليهم، ثم بعد ذلك لماَّ يَئِسَ من استجابتهم ذهب إلى أصنامهم وحطّمَها، فاغتاظوا لأجل هذه الأصنام وغَضِبُوا من أجلِها، ولم يروا شيئًا يشفي غيظَهم إلاّ أن يقذفوه في النَّار، فنجَّاه الله منها فصارت عليه بردًا وسلامًا، وجعلهم الله الأسفلين، وكذلك نوحٌ عليه السَّلام قبله لبث ألفًا إلاّ خمسين عامًا يدعو إلى توحيد الله تبارك وتعالى، عندما تأتي إلى بلدٍ عندهم خُرافات وبِدَع وشِرْك وضلالات، هل نقول لهم: تَعَالُوا نقيم دولة أو نبدأ بتصحيح عقائدهم حكامًا ومحكومين؟؟ فأمّا الطريق التي رسمها الله فـتبدأ بتصحيح عقيدة الحاكم، بأن تخبره أنّ الله هو ربُه، وأن يُعْبَدَ الله، وأن يُخْلَصَ له الدِّين، فإذا صلح وأصلح رعيّته واستجابوا دخلوا في الإسلام تمامًا وسيكونون على أتمّ الإستعداد لتنفيذ حاكمية الله، وإذا رفضوا هذا فسوف يرفضون الحاكمية أيضًا ولن يستجيبوا لك، ومن السّفه ومن مخالفة دين الأنبياء ومنهجِهم أن تقصد إلى الحاكمية وتَسْلُك مثل هذه الأشياء؛ كما تفعل كثيرٌ من الدعوات، إمّا أن تذهب إلى جانب التّصوّف، وإماَّ أن تذهب إلى جانب السّياسة وتترك دعوةَ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، فتكون النتيجةُ هي الضياع والخسران في الدنيا والآخرة لأنّها قامت على غير منهجِ الأنبياء وقامت على أُسُسٍ فاسدة وقامت على الأهواء لأنّهم إذا لم يكن عندهم أهواء وأغراض شخصية ومصالح لما قفزوا عن دعوة الأنبياء التي التزموها وطبَّقُوها، ولهذا أشار ابنُ القيم ـ رحمه الله ـ إلى الآيات من سورة الأعراف، يشير إلى دعوة الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، ما من نبيّ، نوح وهود وصالح وشعيب وموسى قصَّ الله قصصهم مُفصَّلة، كلُّ واحدٍ يدعو قومه يقول: ﴿ أَنِاعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59]، وبيَّنَ مواقفَ هؤلاء الضـالّين، وكيف كذبُّوهم، وكيف رموهم بالسّفاهة، وكيف رَمَوْهم بالجهل ، فأعداءُ الأنبياء تعرفونهم من مواقفهم تجاه دعوة التّوحيد كما وقف أسلافهم للرُّسل بالرَّد والتكذيب والاستهزاء إذا دعاهم الأنبياء إلى عبادةِ الله وحده وإخلاصِ الدين له ونبذِ الأوثان وخلعِها والبراءةِ منها، ومع هذا كلِّه الأنبياء لا يتجاوزون الدّعوة إلى توحيد الله، فإذا استجابوا فالحمد لله، ومشـوا بهم خطوات أخرى، وإذا لم يستجيبوا وقفوا في هذه النقطة ولا يتجاوزونها، ويظلّون يلهجون بالدّعوة إلى التوحيد، والرسُّول صلى الله عليه وسلم كما عرفتم عاش ثلاث عشرة سنة في مكّة لا يدعو إلى شيءٍ غير التوحيد، لم يخف عليه إقامة الدولة آنذاك، ولم يكن مُهمَلاً ذكرها في القرآن الكريم، لكن يدعو إلى التّوحيد واثقاً بوعد الله عزَّ وجلَّ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].

فعن خَبَّابِ بن الْأَرَتِّ رضي الله عنه قال : شَكَوْنَا إلى رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا له : ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو اللَّهَ لنا قال : ( كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض فَيُجْعَلُ فيه فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ والله لَيُتِمَّنَّ هذا الْأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إلا اللَّهَ أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ )( ).

وقد حقَّق الله عزَّ وجلَّ ما وعد رسوله صلى الله عليه وسلم من الظهور العظيم على يديه وعلى يدي الخلفاء الرَّاشدين؛ حيث أظهرهم الله وأظهر دينهم على الأديان كلِّها .

وكان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى الأمراء وإلى غيرهم وكتب إلى قيصر ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾  [آل عمران: 64]، وكَتبَ إلى كسرى بنحو هذا الكلام.

وكتب إلى غيره قريبًا من هذا المضمون ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ بعدما قامت الدولة يدعوهم إلى التّوحيد، وحينما بعث معاذًا إلى اليمن  رتَّب له أمور الدَّعوة فقال: ( إنَّك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أوّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إلهَ إلاّ اللهَ) ، أهل الكتاب يؤمنون بالجنّة يؤمنون بالنار يؤمنون بالله يؤمنون بالملائكة، ويقولون لا إله إلاّ الله، لكن أفسدوا معنى لا إله إلاّ الله فقال: فليكن أوّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إلهَ إلاّ اللهَ .

هذه هي الطريقةُ الصحيحة للدعوةِ إلى اللهِ تبارك وتعالى، الآن العالَم الإسلامي تذهب إلى الشرق والغرب، تجد أوثانا وقبورًا، تجد مدنا من القبور، تدعى من دون الله، ويستغاث بها من دون الله، وتشدّ إليها الرحال كما تشدّ إلى البيت العتيق، ويطاف بهذه الأوثان، ويركع ويسجد لها، ويعتقدون فيها ما يخجل منه أبو جهل من أنّها تعلم الغيب وتتصرّف في الكون! وقد أتيت بعض البلدان ورأيت كيف الخشوع والخضوع والذلّ والطمع في أموات لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا! والله ما رأيت هذا الخشوع عند بيت الله العتيق! ـ وربِّ السماء ـ ويَخُور بعضهم كما يخور الثور، ويخرُّ يهوي على عتبة الولي طمعًا ورجاءً وخوفًا ورغبةً! وينسى الله تبارك وتعالى! أمر عظيم! الدعوات الموجودة غير دعوة التوحيد، دعوة الإمام المجدِّد محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله تقف تتفرّج أمام هذه المشاهد المخزية، ولا ترى هذه منكرًا، بل تؤيِّدها، بل يذهبون في أيّام الانتخابات إلى هذه الأوثان، أو إلى أكبرها، فيخرُّون لها راكعين ويقدِّمون لها الزهور والنذور إجلالاً وتعظيماً لها، بدل أن يدعوا إلى التوحيد، واللهِ يفعلون هذه الأمور وهم معدودون دعاةً إسلاميين! فيَضِلّون ويُضلّون الأمَّةَ ويغرقونهم ويغمسونهم غمسًا إلى الحضيض في الضلال والشّْرْك بالله تبارك وتعالى، ولا تجدُ دعوةً تواجهُ هذه الوثنية إلاّ دعوة الله تبارك وتعالى.

على كلِّ حال سأذكر لكم مقتطفات عن التوحيد وأُحِيلُكُم على كُتُبِ التوحيد، فإنَّ هذه المحاضرة إذا طالت لا تُغْني شيئًا، إنَّما نُوَجهكم ونُبيُّن لكم شيئًا من مكانة التوحيد وفضله وما شاكل ذلك، ادرسوا كتاب التوحيد للإمام محمّد ـ رحمه الله ـ وافهموه حقَّ الفهم، واقرأوا شُرُوحَه ، وتيسير العزيز الحميد ، وكتاب الفتح المجيد والقول السديد، و< قُرّة عيون الموحدّين>، وما شـاكل ذلك، واقرأوا كشف الشُّبُهات والأصول الثلاثة،والتّوسّل والوسيلة لابن تيمية ، و للشيخ محمَّد كذلك، و، لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وكتاب إغاثة اللّهفان  للإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ ، واقرأوا القرآن قبل كلّ هذه  فإنّه كتابُ التوحيد كما قال ابنُ القيم ـ رحمه الله ـ، واقرأوا كتبَ ابنِ تيمية عمومًا فإنّه ما من مجالٍ يكتب فيه إلاَّ ويعرِّج على العقيدة ويَسْتَطردُ إليها لأهميتها عنده، واقرأوا كُتبَ ابنِ القيم أيضًا الأخرى مثل زاد المعاد فإنّ له لمحات وإشارات وتوضيحات في هذا الباب.

وقد تأمَّلت حياة المسلم فوجدتها قائمةً على التوحيد فنأتي إلى الصلاة  

إذا توضَّأت تقول بسم الله ، تُسَمِّي الله وتتوضأ، هذا توحيد وإذا فرغت تقول كما في الحديث عن النَّبيِّ ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ : " ما من عبد يتوضأ فيصبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لاإله إلاّ الله وحده لاشريك له وأنّ محمّدًا عبده ورسوله إلاّ فُتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيٍّ يشاء"، هذا توحيد، تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدًا رسولُ الله توحيد، فَتُفْتَحُ لك أبوابُ الجنَّة الثمانية، تدخل من أيِّها شئت، لأنّ كلمة لا إله إلاّ الله: لو وُضِعَتْ السَّماوات السَّبع ومن فيهنَّ غيرُ الله في كِفَّة، والأرضون السّبع أيضًا ولا إله إلاّ الله في كِفَّة لمالت بهنَّ لا إله إلاّ الله، هذا جاء عن موسى ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ وفي هذا الأثر شيءٌ من الضعف، ولكن يشدُّه وصيَّةُ نوحٍ لابنِه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أوصاه عند موته قال: ، فإذا قالها العبدُ صادقًا، مخلصًا لله تبارك وتعالى، عارفاً بمعناها عاملاً بمقتضاها تفتحت له أبوابُ الجنّة.

فإذا قمت إلى الصلاة تفتتحها بالتوحيد، فتقول: هذا توحيد ، ثمَّ تستفتح فإمّا أن تقول: . وإما تقول . في أنواع جاءت في الاستفتاح كلُّها توحيد، ومن جملتها .

وجاء في صلاة اللّيل، أنواعٌ كثيرةٌ من الاستفتاحات منها أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ، ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ يقول هذا، وَوَرَدَ أنّه  في بعضِ صلواتِه في اللَّيل ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ وكثيرٌ من هذه الأنواع كلّها توحيد، ثمّ بعد ذلك تقرأُ سورةَ الفاتحة، وهي كلُّها توحيد ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، توحيد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، توحيد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، توحيد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾… كلّها توحيد، انظر كيف قامت الصَّلاة على التوحيد؛ حينما تركع تقول ، هذا توحيد،    توحيد، وأذكار أخرى، يعني تأتي أيضًا في الرُكوع، ترفع ، هذا توحيد ، هذا توحيد، وتَخِرُّ ساجدًا لله ـ تبارك وتعالى ـ توحيد فتقول:   ، تقول مثل هذا، ، هذا الدعاء الذي علَّمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر يدعو به في صلاتِه توحيد، التَشَهّدْ توحيد، والآذان يرفع شعار التوحيد، فهذه العبادة انظروا ماذا تضمَّنت من توحيد الله في كلِّ حركة من الحركات، كلُّها قائمةٌ على توحيد الله تبارك وتعالى، الحجّ حينما تتأمّله تجده كلُّه قائماً على التوحيد، التلبية التي تَشْرَعُ بها في الحج، ، كيف سمَّاها الصحابة رضي الله عنهم؟ قالوا: أَهَلَّ رسولُ الله  بالتوحيد>، بل رسولُ الله  وأصحابُه لم يتوقفوا عن رفع شعار التوحيد، وظلّوا يرفعون أصواتَهم به حتى بُحَّتْ أصواتُهم، وكانو إذا أتوا شَرَفاً كبَّروا وإذا هبطوا منحدراً سبَّحوا  في حجٍّ أو غيره من الأسفار والغزوات  

والشاهد أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ظلّ وأصحابُه يهتفون بالتلبية، إلى أن دخلوا مكَّة، ولما وصل إلى البيت الحرام شرع يُكَبر ويطوف ويَقرأُ القرآن أو يَذكرُ الله، هذا توحيد، ثم أتى إلى مقام إبراهيم ليصليَّ ركعتين، فهذا توحيد كذلك، ويَقرأُ فيهما سُورتي التوحيد ،  هذا توحيد، كلُّ هذه الأفعال تربيةٌ على التوحيد، تتحرك و تنام وتسافر وتستيقظ وتقرأ وتصلِّي، كلُّه توحيد، لكن كثيراً من الناس غافلون للأسف الشديد، يحتاجون إلى تنبيه، ليُدركُوا تَغَلْغُل التوحيد في كلِّ حركة من حركات المؤمن، لما تنام عندك أدعية هي كلُّها توحيد، لما تستيقظ أدعية كلُّها توحيد.

أنبّهكم إلى أهميّة التوحيد ومكانَتِه، حيث إنّ حياتَك أيُّها المؤمن إن كُنْتَ صادقًا في إيمانك ومخلصًا في توحيدك تستطيع أن تَجْعَلَها كلَّها توحيداً

وتقديساً وإجلالاً وعبادةً لله ربِّ العالمين، فهذه هي أهميَّة التوحيد.

أمّا خطورة الشِّرْك، أنتقل الآن إلى هذه النقطة وسمعتم ما قرأنا من تهديد الله لأنبيائه ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وقول إبراهيم ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ وقال سبحانه وتعالى مخبراً عن دعاء رسوله إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 35]، هذا وإبراهيم أبو الأنبياء وإمامُ الموحدين وإمامُ الحُنفاء ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾،  ويقول الله عزَّ وجلَّ عنه ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]،  وقال الله تعالى في المشركين: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]،

إذا عرفت خطورةَ الشِّرْك لا تزداد إن شاء الله إلاّ تشبثًا بالتوحيد ومعرفةً لمكانة التوحيد، أسأل الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يُثَبِّتَنَا وإيّاكم على توحيده وإجلالِه وتعظيمِه، وإخلاصِ الدِّين له، وأن يُجَنِّبَنَا وإياكم الشّرك والبدع والنفاق ما ظهر من كلّ ذلك وما بطن؛ إنَّ ربنّا لسميع الدعاء.

وصلى الله على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم.



الأسئلة:

السؤال: ما هي الطريقة المثلى في نظركم لدراسة كتبِ العقيدة والأخذ منها، وما هي النصائح التي توجِّهونها لطلاب العلم المبتدئين ؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الطريقةُ المثلى لدراسة كتب العقيدة وغيرها، أول عمل أقوم به حفظُ الكتاب الذي يُوَجّهُنا إليه العَالِم الذي نُريد أن نَتَلَقَّى عنه العلم، فإذا وجَّهك إلى فاحفظها، أو فاحفظها، فالحفظ له قيمة ويساعدك على الفهم، ويساعدك على مواجهةِ المشاكل في العقيدة، فأوَّل خَطوة تعملها حفظُ هذا الكتاب في توحيد العبادة إمّا تبدأ به، وإماَّ وإمّا على حسب ما يراه العَالِمُ الذي تريد أن تتلمذ عليه، ما تَدرُس على نفسك! وإنما تَجثُوا برُكبتيك متواضعًا لله تبارك وتعالى، فإنّ الملائكةَ تَضَعُ أجنحتها لطالبِ العلم رضًى بما يصنع، فكيف لا تخفض جناحك أمام العَالِم وتَجثُو بين يديه تأدُّبًا لتأخذ منه، نحن ليس عندنا تقديسٌ للأشخاص والغلوّ والإطراء فيهم، ولكن عندنا الأدب، وعندنا الاحترام، ومعرفة قدر علماء السُّنة خاصة، فإنّ علماءَ البدع ليسُوا بعلماء، العلماءُ هم العلماء بكتاب الله وعلماء التوحيد وعلماء السُّنّة، ولو لم يكن عندهم ثرثرة وطنطنة وشنشنة، كما يفعلها غيرُهم، فتجلسُ عند هذا العَالِم وتتعلم منه.

الطريقةُ المثلى أن تتلمذ على عالم، فإنّه يُقَرِّبُ لك البعيد، ويعطيك خلاصةَ خِبْرَاتِه الطويلة، وتحصل منه في الجلسة الواحدة على ما قد لا تحصل عليه طولَ حياتك، أو لا تحصل عليه إلاّ بعد سنين، هذه هي الطريقةُ المثلى في نظري تقوم على اختيار كتاب ثمّ تتعلّم منه؛ كما هو شأن السَّلف الصالح فإنّهم كانوا لا يَتَلَقَّوْنَ العلمَ إلاّ على العلماء، فإذا لم يتلقَّ الطالبُ العلمَ والقرآن على العلماء سَمَّوْهُ أو ، والذي يقرأُ القرآن على غير الشُيُوخ يُسَّمَى: ، والذي لا يقرأ الحديثَ والفقهَ وغيرَه على العلماء يقال له ، ؛ لأنّه يتعلم من الصحف، لا يتعلمُ من العلماء، فالعلماء إذا جالستهم تتعلم منهم أولاً الأخلاق والأدب، ، وقد كان مالِكٌ رحمه الله يرحلُ إليه الناس من أنحاء الدنيا، وممن رَحلَ إليه يحيى بنُ يحيى النيسابوري، الإمامُ العظيم الذي قال فيه الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ ما رأى مثله, هذا الإمام قرأ على مالك، ثمّ لما أنهاه جلس، لاحظَ مالك ذلك لماذا هذا جالس؟! صَبَر، صَبَر ثم بعد مدة سأله قال: لماذا أنت جالس هنا ؟ قال: أتعلَّمُ من أخلاقك.

- ومع الأسف- ترى كثيرًا من الناس يَأْنَفُ من الحضور عند أهل العلم والأخذِ عنهم، ويَأْنَفُ من الجلوس بين يدي العلماء، هذا والله أعلم سببه الغُرور ورداءة الخُلُق، لهذا تجد هؤلاء عندهم من الغُرور ومن الجهل والغطرسة والاعتزال ومن رداءة الأخلاق، ما لا تجده عند غيرهم، فإذا انطوى الإنسانُ على نفسه، ولا يُعَلِّمُهُ مُعلِّم، يُعَلِّم نفسَه، هذا دليلٌ على مرض، فالطريقةُ المثلى أن تأخذ العلمَ من أفواهِ العلماء، وهم يُوجهونك إلى الكتاب الذي يلائم ذكاءَك وما عندك من القُدُرَات، العالم يعرف وقد جرَّب قبلك ، هذه الطريقة المثلى وأُحيلُكم إلى الكتب التي ذَكرتُها لكم في هذه الكلمة.

وهنا سؤال يقول: ما رأيكم في قولِ من يقول إنّ الاجتماعَ مطلبٌ أساسي، فإذا جاءنا من يُفَرِّقُ الاجتماع فيجب أن يُرْفَض حتى ولو كان الذي جاء أو الذي جاء به هو التوحيد؟

الجواب: الاجتماعُ مطلبٌ أساسي، فإذا جاء شخصٌ بما لا يُحَققُ هذه الغاية، فإنّه يجب أن يُرْفَض، يعني يُخالِف هديَ الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وهديَ القرآنِ الكريم في الاجتماعِ على الحقّ، هل اللهُ تبارك وتعالى يريدُ مُجَرَّدَ اجتماع ولو كان تحتَ رايةِ هذا الاجتماع الروافض والخوارج والباطنية وعُباّد القبور وما شاكلَ ذلك؟! هل هذا هو الاجتماعُ الذي أمر اللهُ به ؟! هل هو معنى قولِ الله تبارك وتعالى ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾[آل عمران: 103]؟!

ما هو حبلُ الله ؟ هو القرآن والسُّنة، فلتكن الرابطة الوحيدة بينكم كتابُ الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، هذا هو الاجتماعُ الذي يريده الله؛ أن يكونَ على الحقِّ وعلى الوحي الذي ألزمنا به وكَلَّفَنَا به سبحانه وتعالى ، لكن هؤلاء كيف أسمِّيهم؟! أعداءَ الأنبياء، أو الجهلةَ السُفهاء لهم آراء ونظرياتٌ سياسية تخالف منهجَ الأنبياء ومنهجَ محمّدٍ خَاتَمِهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الدعوة الحارّة إلى الاجتماع الحقّ وعدم تفريق الدين؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159]، بالله لو فَرَّقُوا دينَهم واجتمعوا تحتَ رايةٍ ديمقراطية ما بالَوْا بذلك! ولم يَكْتَفِ هؤلاء بالمناداة لتجمع الصوفية والروافض والخرافات تحت رايةٍ واحدة، بل صاروا يَهتِفُونَ بوحدة الأديان، ويَهتِفُونَ بأُخُوَّة النَّصارى، هؤلاء أو هذه النظريات الفاسدة المُضَاَّدة لما جاء به الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ آلَتْ بهم هذه الأهواء إلى الدَعوةِ إلى وحدة الأديان، وإلى التَحَالُـفِ مع الشيطان وإلى التَحَـالُفِ مع العلمانيين والشيوعيين، وإلى أُخُوَة النَّصارى واليهود والوثنيين، وما ندري إلى ماذا ستنتهي ؟ هل ستنتهي بمروقِهم من الإسلام تمامًا ؟ أو بماذا ستنتهي ؟ إلى ماذا ستحول هذه الدعوة؟! فالدَعوةُ الصحيحة أن نجمعَ الناسَ على كتابِ الله وسنّةِ رسـول الله صلى الله عليه وسلم فمن استجاب يدخل إن شاء الله في حضيرةِ الفرقةِ الناجية والطائفةِ المنصورة، ومن أبى فقد اختار لنفسِه أن يكون من الفرقِ الهالكة التي أخبرنا عنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأنّها أبت أن تنضوي تحت رايةِ التوحيد، وتحت رايةِ الكتاب والسُّنة، وأَبتْ إلاّ أن تَسلُكَ السُّبُلَ التي يدعو إليها الشياطين، شياطينُ الإنس والجنّ، ولا يُكلّفُ الله نفسًـا إلاّ وُسعَها، وإننّا لَنَلمسُ الآن نتيجةَ هذه الدعوات على وجه الأرض، ما الذي يحصل الآن في أفغانستان بين أصحاب هذه الدعوات؟ ما الذي حصل لماَّ فُتحت كابل؟ ألم يبدأ أصحاب هذه الدعوة يتناحرون فيما بينهم، ويقتل بعضهم بعضًا من أجل الكراسي! الآن نرى انقسامات إلا دعوة الإمام المجدد محمّد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ لم يختلف علمـاؤها إلى اليـوم، ما حصل اختلافٌ منهجي، ولا اختلاف عقدي، ولا اختلاف سياسي أبدًا، لأنّها دعوةٌ قائمةٌ   على ، وصار غيرهم جماعات، جماعة التكفير، وجماعة الجهاد، وجماعة التبيُّن والتثبُّت، وجماعة ...، جماعات لا أوَّل لها ولا آخر، لا يوجد شيء يعصِمُهم من التفرُّق، العاصم من التفرُّق هو فهم هذا الكتاب والالتفاف حوله، لهذا يطولُ أمدُ من أخلص لله، ومن هؤلاء المخلصين أصحاب دعوة الإمام محمّد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ فترى علماءَها إخوة، ليس بينهم اختلافٌ منهجي، ولا عقائدي، ولا سياسي، ولا فكري ولا شيء.


http://www.rabee.net/ar/articles.php?cat=11&id=278











عبير الإسلام

عدد المساهمات : 477
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أهميّة التّوحيد.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الأربعاء مايو 04, 2016 1:05 am



للإستماع:

أهمية التوحيد-الشيخ ربيع بن هادي المدخلي1

http://safeshare.tv/v/AzYjWln3584

أهمية التوحيد-الشيخ ربيع بن هادي المدخلي2

http://safeshare.tv/v/1BLPk1LJLQc

أهمية التوحيد-الشيخ ربيع بن هادي المدخلي3

http://safeshare.tv/v/ss572920c82c81d

أهمية التوحيد-الشيخ ربيع بن هادي المدخلي4

http://safeshare.tv/v/VvIKeZ_P6Zg

أهمية التوحيد-الشيخ ربيع بن هادي المدخلي5


http://safeshare.tv/v/CIhaJqALW98



عبير الإسلام

عدد المساهمات : 477
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى