منتديات الدعوة السلفية في الجزائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، عزيزي الزائر يشرفنا أن تكون عضو بيننا في " منتدى الدعوة السلفية في الجزائر "

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ.

مُساهمة من طرف عبير الإسلام في الثلاثاء يونيو 21, 2016 2:23 pm











رَمَضَانُ شَهْرُ الدُّعَاء


للشيخ عبدالرزاق البدر وفّقه الله

ثبت في السنن عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر:60]))(1) .

فـالدّعاء من أجلّ العبادات وأعظمها وهو حق لله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يُصرف لغيره كائناً من كان ، وله مكانة عظيمة في الدين ومنزلة رفيعة فيه ، وذلك لما في الدّعاء من التّضرّع وإظهار الضُّعف والحاجة لله ، ولأنّ العبادة كلمّا كان القلب فيها حاضراً وأخشع فهي أفضل وأكمل ، والدّعاء أقرب العبادات إلى حصول هذا المقصود، والدّعاء فيه ملازمة للتّوكّل والإستعانة بالله ، والتّوكّل هو اعتماد القلب على الله وثقته به في حصول المحبوبات واندفاع المكروهات ؛ والنصوص في فضل الدّعاء وعظيم شأنه كثيرة لا تحصر ، ولشهر الصيام شهر رمضان المبارك خصوصية في الدّعاء ، فإنّ الصائم ممّن لا تُرَدُّ دعوته إذا أخلص في صيامه ونصح في عبادته وصدق مع الله ففي الحديث ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ : دَعْوَةُ الصَّائِمِ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ))(2)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ))(3).

وممّا يبيّن مكانة الدّعاء وعلوّ شأنه في شهر الصيام أن قوله تعالى في سورة البقرة : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} قد جاء متخللاً لآيات الصيام وفي أثنائها ؛ فقبل هذه الآية قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } وبعدها قوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } ، فجاءت هذه الآية الكريمة وهي مختصّة بالدّعاء متوسّطة لآيات الصيام ومحفوفة بها ولعل في ذلك ما يدلّ على عِظَم قدر الدعاء وأهمّيته في هذا الشهر ، لأنّ العبد في هذا الشهر المبارك يملؤه الرّجاء أن يوفّقه الله للقيام بحق الله في هذا الشهر على أتم الوجوه وأكملها ، ولا سبيل له إلى ذلك إلاّ بـسؤال الله ودعائه ، وهو كذلك يكثِر في هذا الشهر من الطاعات والعبادات والقُرُبات وهو يرغب ويطمع أن يتقبّلها الله منه ، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بدعائه والانكسار بين يديه والتّضرّع له ، وكذلك قد يكون العبد مرتكباً لبعض الآثام قبل رمضان أو صدر عنه نقص أو تقصير أو تفريط أثناء رمضان وهو يرغب في توبة الله عليه ومغفرة ذنوبه ، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بالدّعاء ، فكأنّ الله يلفت عباده إلى ما يلوذون به ويهربون إليه وبه تُجَاب رغباتهم وتقضى حاجاتهم وتُقَال عثراتهم وتُغْفَر زلاّتهم.

قال ابن القيم رحمه الله : (( أساس كلّ خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فتتيقن حينئذ أنّ الحسنات من نِعَمِه ، فتشكره عليها وتتضرّعَ إليه أن لا يقطعها عنك ، وأنّ السيّئات من خذلانه وعقوبته ، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكِلَكَ في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك . وقد أجمع العارفون على أنّ كلّ خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكلَّ شرٍّ فأصله خذلانه لعبده ، وأجمعوا أنَّ التوفيق أن لا يكِلَك الله إلى نفسك، وأن الخذلان : هو أن يخلي بينك وبين نفسك، فإذا كان كلُّ خير فأصله التوفيق وهو بيد الله لا بيد العبد ، فمفتاحه الدعاءُ والإفتقار وصدق اللَّجإ والرَّغبةِ والرَّهبةِ إليه ، فمتى أعطَى العبدَ هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له ، ومتى أضلَّه عن المفتاح بقي بابُ الخير مُرْتَجاً دونه ... وما أُتي من أُتِيَ إلاّ من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ، ولا ظَفِرَ مَن ظفر - بمشيئة الله وعونِه - إلاّ بقيامه بالشكرِ وصدقِ الإفتقار والدّعاء))(4) اهـ.

والدّعاءُ شأنُه في الإسلام عظيمٌ، ومكانتُه فيه ساميةٌ، ومنزلتُه منه عالية ، إذ هو أجلُّ العبادات وأعظمُ الطاعات وأنفعُ القثرُبات، ولهذا جاءت النصوصُ الكثيرةُ في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم المبيِّنةُ لفضله والمُنَوِّهةُ بمكانته وعِظَم شأنه، والمرغِّبةُ فيه والحاثَّةُ عليه، وقد تنوَّعت دلالاتُ هذه النصوص المبيِّنة لفضل الدعاء، فجاء في بعضها الأمرُ به والحثُّ عليه، وفي بعضها التّحذير من تركه والاستكبار عنه، وفي بعضها ذكرُ عِظم ثوابه وكبر أجره عند الله، وفي بعضها مدحُ المؤمنين لقيامهم به، والثناءُ عليهم بتكميله، وغيرُ ذلك من أنواع الدلالات في القرآن الكريم على عِظَم فضل الدعاء.

بل إنَّ الله سبحانه قد افتتح كتابه الكريم بالدّعاء واختممه به، فسورة «الحمد» التي هي فاتحة القرآن الكريم مشتملةٌ على دعاء الله بأجلِّ المطالب وأكمل المقاصد، أَلَا وهو سؤال الله عزَّ وجلَّ الهدايةَ إلى الصراط المستقيم والإعانةَ على عبادته، والقيامَ بطاعته سبحانه، وسورةُ «الناس» التي هي خاتمة القرآن الكريم مشتملةٌ على دعاء الله سبحانه، وذلك بالإستعاذة به سبحانه من شرِّ الوسواس الخنَّاس، الذي يوسوسُ في صدور الناس، مِنَ الجِنَّة والناس، وما من ريبٍ أنَّ افتتاحَ القرآن الكريم بالدعاء واختتامَه به دليلٌ على عِظم شأن الدّعاء وأنَّه روحُ العبادات ولبُّها.

بل إنَّ الله جلَّ وعلا سمَّى الدعاءَ في القرآن عبادةً في أكثر من آية، مِمَّا يدلُّ على عِظم مكانته، كقوله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر: 60]، وكقوله فيما حكاه عن نبيِّه إبراهيم عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا } [مريم: 48 – 49]،  ونحـوها من الآيات، وسَمَّى سبحانه الدّعاءَ دِيناً كمـا في قوله:  {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65]، ونحوها من الآيات.

وهذا كلُّه يُبيِّن لنا عِظمَ شأن الدّعاء، وأنَّه أساسُ العبودية وروحُها، وعنوانُ التذلُّل والخضوع والانكسار بين يدي الربِّ، وإظهارِ الإفتقار إليه، ولهذا حثَّ الله عبادَه عليه، ورغَّبهم فيه في آيٍ كثيرة من القرآن الكريم، يقول الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف: 55 – 56]، وقال تعالى: { هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65].

وأخبر سبحانه ـ مرَغِّباً عبادَه في الدعاءِ ـ بأنَّه قريبٌ منهم يُجيب دعاءَهم، ويُحقِّقُ رجاءَهم، ويعطيهم سؤلهم، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] ، وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ} [النمل: 62].

ولهذا فإنَّ العبدَ كلَّمـا عظُمت معرفتُه بالله وقويت صِلتُه به كان دعاؤُه له أعظمَ، وانكسارُه بين يديه أشدَّ، ولهذا كان أنبياءُ الله ورُسُلُه أعظمَ الناس تحقيقاً للدعاء وقياماً به في أحوالهم كلِّها وشؤونهم جميعِها، وقد أثنى الله عليهم بذلك في القرآن الكريم، وذَكَر جملةً من أدعيتهم في أحوالٍ متعدِّدةٍ ومناسبات متنوِّعةٍ، قال تعالـى في وصفهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

فينبغي على المؤمن أن يُعْنَى بهذه العبادة ، وأن يغنم أوقات هذا الشهر الشريف بـالإقبال على الله بالدّعاء والسؤال والإلحاح راغبا راهبا ، مع العناية بشروط الدعاء وآدابه ، راجيا أن يكون من الفائزين بثواب الله الناجين من النار ، فإنّ لله عتقاء من النار وذلك كلَّ ليلة من ليالي رمضان .

اللّهمّ تقبّل صيامنا وقيامنا ودعاءنا ، ومنَّ علينا بالعتق من النار يا حيّ يا قيوم .

--------------

(1) سنن أبي داود (1479)، سنن الترمذي (3247) وقال: هذا حديث حسن صحيح ، سنن ابن ماجه (3828) .

(2) رواه الطبراني في الدعاء (1215) ، والبيهقي في شعب الإيمان (7513) .

(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى (3/345، 6185) .

(4) الفوائد لابن القيم (ص:127- 128 )









عبير الإسلام

عدد المساهمات : 664
تاريخ التسجيل : 16/04/2015

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى